كاظم الواسطي نعم ، إنه عام جديد ، وبالمعنى غير التقليدي ، الذي اعتدنا تمنيه في بداية كل عام . فهاهي الأشهر الثلاثة من عام 2011 مزدحمة بالأحداث ، والأفكار ، والتوقعات ، وما من هدنة في مجمل الحراك الذي بات يغطي مساحة واسعة في مجتمعاتنا العربية ، بعد عهود من الخذلان الشعبي ، والصمت الحجري الذي فرضته أنظمة القمع والاستبداد على هذه المجتمعات . إنه عام الفصل بين مرحلتين في وعي المواطن العربي ، وإعادة ترتيب خارطة أفكاره ، ونمط حياته ، اللذين ظلا أسيرين لسلطة القمع والتحريم ،
والإقصاء التام لأيّ دور يمكن أن يمارسه هذا المواطن ، ككائن بشري ، له حقٌ في الوجود على أرضٍ لم تخلقها سلطة أو سلطان . وتميّزت مرحلة ما قبل 2011 في مجتمعاتنا العربية بالتراجع ، والعجز ، وانعدام المبادرة ، التي كرسّتها الأنظمة الاستبدادية ، وحولتها إلى واقعٍ مفروض على المواطن ، تُمرّكز ، من خلاله ، سلطتها ، وتستفيد من سلبية موقف المواطن في استمرار تسلطها . إنها مرحلة الانتظار في محطات الوهم ، وترّقب ما لا يأتي إلاّ بمعجزة لا يعرف أحدٌ من أين تأتي . وفي ظل تلك الظروف ، عاش المواطن العربي تحت رحمة نخب سياسية تقود الأوطان من مأزق إلى كارثة ، وهي تنعم بكنوزها ، وثرواتها ، بكل وسائل السحت الحرام ، في وقتٍ ينوء كاهل المواطن تحت وطأة الفقر ، والجهل ، وانعدام الخدمات ، دون حقٍ بالمطالبة بحقوقٍ له ، أو حرياتٍ صارت خارج الأحلام . ولكن ، والحق يقال ، كان مسموحاً لهذا المواطن أن يرى ، بعينين داميتين ، كيف يعيش الفاسدون طلقاء دون رقابةٍ أو عقاب .ولكن يبدو أن العام 2011 مثّل نقطة التراكم القصوى لعذاب ، وآلام المواطن العربي ، وجعله فائض الصبر مندفعا خارج دائرة الصمت ، باتجاه فضاء الكلام الذي كان يخزّنه ، ويتفهم ما يعنيه ، ومدى جدواه ، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي صدعت، واخترقت كل دوائر الصمت المغلقة ، لتفتح لمواطني العالم نافذة للتعارف ، والتداول ، دون سلطةٍ للحجب والإخفاء . ولأن سلطات الاستبداد لا تريد أن تصدّق مثل هذا الكلام ، وتعاملت معه بذات أدواتها القامعة ، فقد تحوّل إلى غضب ، واحتجاج ،وثورة ، جعلت رموز السلطة يعيشون هلّوسة اللا متوقع، وشلل القدرة بعد فوات الأوان . وما اعتبرته السلطة شبابا روّضته ، يوما ، بأدوات قمعها ، وأساليب خداعها ، بات شعلة تضيء ساحات الحرية المفتوحة في كل مكان . هو الغضب الخارج من رماد الاستبداد ، والخوف ، لن تستطع سلطة ، مهما بلغت من قوةٍ ، أن تُعيده إلى ذلك الرماد الخانق.وأن الميادين المكشوفة التي اختارها للاحتجاج ، والمطالبة بالإصلاح والتغيير ، تتبادل التأثير ، وتستمد من بعضها البعض الدروس والتجارب ، وقوة التواصل لاستعادة الحقوق ، والحريات المصادرة ، وتحقيق مطالب المحرومين من حياة لائقة ، بأن تكون لهم تلك الحياة ،إذا ما واصلوا السير على درب الحرية الوعر ، التي كانت مجرّد حلم يخشون تذكرّه في الصباح .
عام 2011 .. وداعا صمتنا الحجري

نشر في: 22 مارس, 2011: 07:11 م







