وديع غزوانربما لم يعد لمفردة مناضل من دلالة ومعنى في عالم اليوم الذي شهد تغيراً كبيراً ومتسارعاً في منظومة القيم السياسية و الاقتصادية والاجتماعية , وقد يكون وقعها في وقتنا الحاضر غريباً , ليس على الجيل الحالي فحسب , بل حتى لأجيال سبقته وعاشت ازدواجية غريبة ومفرطة في المصطلحات مارستها بعض التيارات التي ظلت زمناً غير قليل ترفع وتتاجر بشعارات تقدمية ووطنية اثبت الواقع عدم إيمانها بها بل والتصرف نقيضها .
المهم , انه ووسط موجة التصريحات والخطب العصماء اليومية لسياسيي ما بعد 2003 ,بشأن الدفاع عن حقوق المواطنين بدءاً من الحريات الى تأمين سبل العيش الكريم و مستلزماته , كان لا بد للذاكرة ان تعيد مشاهد من حياة المناضل "ابو هيفاء" مرتضى النجار, عامل النسيج المتواضع والبسيط الذي لا اظن ان احداً في الكاظمية او ممن عمل في قطاع النسيج لا يعرفه ,كونه كان ناشطاً في الدعوة للافكار الوطنية ووحدة الصف وينتقد بعض المظاهر السلبية بقصائده الشعبية التي كان يمرر ما فيها من خلال المواكب الحسينية على طريقة ( الحسجة ) التي تعني التمويه ورغم شيوعيته لم يجرؤ احد من اصحاب المواكب على رفضها , كما انه كان متميزاً بحب مفرط للناس ومبدعاً في مجال عمله بشهادة اصحاب شركات ومهندسين كانوا يستشيرونه في كثير من جوانب العمل او لتصنيع بعض اجزاء المكائن بالمتوفر من المواد محلياً في زمن الحصار في تسعينيات القرن الماضي . توطدت علاقتي مع" ابو هيفاء " في حدود عام 1993, وكان رغم تركه العمل التنظيمي في صفوف الحزب الشيوعي , لم يعلن يوماً براءته منه كما فعل غيره بل كان يجاهر ويفتخر بهذا الانتماء والايمان بما كان يسميها المبادئ الوطنية النقية . ما زلت اذكر كلمات حفظتها منه لكثر ترديده لها ( ليس في تاريخي ما استحي منه ) , فقد بقيت وفياً لما آمنت به ولم اقبل ان استغل انتمائي بغير خدمة الناس , لذا فليس عيباً ان اقول انا شيوعي وطني , لكنني , وكما يقول , لا اقبل ان اتخلى عن صفتي النضالية لانزلق في اغراءات السياسة ومزالقها .و كان يزوره البعض ممن لا تتطابق افكاره معهم , فلم يستقبل الا من يعتقد بصدق توجهه الوطني , ويرفض مقابلة البعض ممن يعتقد انهم ليسوا جديرين بالعمل السياسي ويصفهم تجار سياسة فيقول ان الامتحان الاكبر لرجل السياسة عندما يكون في السلطة عندها يكون هو وصدق المبادئ على المحك . واحسب ولأنه بمستوى هذا النقاء والاخلاص فقد استشرف مبكراً المخاطر التي يمكن ان تتعرض لها العملية السياسية , عندما تشكل مجلس الحكم على وفق المحاصصات ورغبة واهواء بريمر, وبصوت عال مسموع كان يصرخ ويقول( اذا اقتضت الضرورة ان نستعين باميركا لاجراء التغيير , فعلينا مبكراً ان نوضح لها اننا ادرى بشؤون شعبنا وما يحتاجه لان الخطأ تتبعه خطايا ). لم يطل العمر طويلاً بـ ( ابوهيفاء ) الذي اغتالته يد الغدر والخسة والارهاب خنقاً , وهو نائم في سريره رغم عمره الذي تجاوز السبعين , الكثير يقول ان صراحته وراء مقتله , لكننا واثقون انه كان ينتظر الشهادة بهذه الصورة ويعلم انه سيبقى في ذاكرة الكثير من اهالي الانباريين والعكيلات وام النومي بل في قلب وذاكرة كل من عرفه , فما زالت مواقف " ابو هيفاء" وغيره من المخلصين دروساً تعيننا على تخطي مراحل صعبة من حياتنا وتقينا الانحراف , وكم نتمنى ان يستفيد منها سياسيونا فعسى ولعل !
كردستانيات: مناضل شيوعي

نشر في: 23 مارس, 2011: 05:21 م







