علاء حسنالديمقراطية في الغرب فرضت على اصحاب القرار الكشف عن الوثائق السرية، انطلاقا من مبدأ الايمان بطرح المعلومة، وفي بعض الاحيان يتم تسريب معلومات لوسائل الاعلام اثناء الحملات الدعائية التي تسبق الانتخابات،والمعلومة بنظر الكثير من الدول الديمقراطية ليست حكرا على السلطة، او اصحاب القرار، فهؤلاء يدركون قبل غيرهم بان مناصبهم الرسمية محددة بزمن لايقاس بالعقود او ربما بنصف قرن اواقل،ولذلك فهم يحرصون على مستقبلهم الشخصي قبل السياسي لمعرفتهم مسبقا بان المخفي من سلوكياتهم وممارساتهم اثناء شغل مناصبهم، ستنكشف يوم لاتنفع الحصانة والتسويات والصفقات.
تلك الصورة في الغرب لانجد لها اي اثر في الشرق،وبالتحديد في البلدان العربية، التي مازالت بنظر "القومجية " من منظري النكبات والهزائم وتحويلها الى انتصارات، مصدر اشعاع حضاري للانسانية جمعاء، تلك الدول وضعت وثائقها في صندوق اسود لايجوز الكشف عن محتوياته الا بعد الكوارث، والكارثة بنظرها الاطاحة بانظمتها، ومقتل رؤسائها، او هروبهم لجهات مجهولة، او الحصول على اقامة في دولة مجاورة. بعد سقوط نظام صدام ظلت وسائل الاعلام تنشر وتبث الفضائح والاسرار،وكوبونات النفط واحدة من تلك الوثائق التي كشفت عن مئات" القومجية " من شعراء وكتاب وصحفيين ورجال اعمال وسماسرة سخروا جهودهم لخدمة الديكتاتور العراقي. قبل كشف محتويات الصندوق الاسود الليبي اصفرت واكفهرت وجوه من يصر على الدفاع عن القذافي، ليس حبا بالعقيد، واعجابا بنساء حمايته، ولكن خوفا من الكشف عن وثائق مازالت مودعة بالحفظ والصون في الصندوق الاسود، فالرئيس الليبي وكغيره من زملائه الحكام العرب، استعان بشخصيات معروفة للدفاع والتنظير عن انجازات الجماهيرية الكبرى،وحينما حمل صولجان ملك الملوك، نظمت بحقه مئات القصائد العصماء، المبشرة بفتح الفتوح، وكتبت مقالات وبحوث ودراسات عن الرؤية المستقبلية للقذافي في توحيد العالم، بقيادته، على الرغم من اقامته في خيمة وسط الصحراء. يخشى المطبلون على ايقاع" الوحدة ونص" للقذافي هذه الايام من سقوط نظامه، لاعتقادهم بان صندوقه الاسود سيكون بيد الثوار،وليس لدى غيرهم، وهذا مبعث اصفرار الوجوه العربية ومنها عراقية، خشية الكشف عن الفضيحة و" صخام الوجه " ومقدار الاموال الليبية المدفوعة لمن يجيد التطبيل في كل زمان ومكان، لتحسن صوره الديكتاتور وتسويقها للخارج، بوصف الرئيس بطلا قوميا ومعبودا لشعوب اسيا وافريقيا. احد المطبلين على ايقاع الهجع"والمعروف بان جريدته ممولة من ابنة القذافي التي انضمت الى فريق الدفاع عن صدام اثناء محاكمته، ابدى ذلك الصحفي العراقي اسفه الشديد وحزنه العميق على مايجري من احداث في ليبيا، وذكر في مقاله الافتتاحي:" ان الاحتلال الاميركي وبعد سقوطه في المستنقع العراقي سيحتل ليبيا ليعوض خساراته الفادحة في المشرق العربي"وجاء في المقال " ان الشعب الليبي تنتظره كارثة الاقتتال القبلي،واندلاع حرب اهلية ستمتد لبلدان مجاورة "وعلى مثل هذه "التحليلات والنظرة الاستشرافية للمستقبل" ينفق المطبلون على ان القذافي هو قدر الامة، يكبر ويعلو ويسمو بمقدار ما يتقاضاه عشاق الرئيس الليبي من اموال بالعملة الصعبة. ما يدعو للاسف والشفقة ان كاتب المقال وصاحب الجريدة لم يوزع منها سوى عشرات النسخ، لان مصادر التمويل توقفت كما يبدو، ومقاله لم يصل الى اصحاب القرار الاميركي ليستفيدوا من تحليلاته الدقيقة والصائبة، ليتجنبوا الدخول في مستنقع جديد، والغريب في الامر ان المستنقعات ازدادت بشكل ملحوظ لدى المحللين السياسيين هذه الايام، وكلها في المنطقة العربية من المحيط الى الخليج، ويا اهلا بالمعارك.
صندوق القذافي الاسود

نشر في: 23 مارس, 2011: 08:54 م







