علاء حسننظرية التوريث التي اعتمدها بعض الحكام العرب في الأنظمة الجمهورية أثبتت فشلها، ولم يجرؤ احدهم على الحديث بها، وأمنيات من هذا النوع، ما عادت تحظى بالاحترام، ومع الطلائع الأولى للتظاهرات الاحتجاجية، أعلن أصحاب السيادة انهم يرفضون تولي احد أبنائهم السلطة، وتركوا الأمر للشعب في تقرير مصيره عبر صناديق الاقتراع، طبعا وبالطريقة الديمقراطية التي تناسبهم، ومع تصاعد التظاهرات والمطالبة برحيل الرئيس، احتوت قائمة تنازلات الرؤساء الكثير من "الانبطاحات" كما يقال، والانبطاح الأكبر يوم يحزم من مكث أكثر من 30 عاماً في السلطة، حقائبه استعداداً للرحيل غير مأسوف على مغادرة البلاد مخلوعا كغيره من زملائه.
مع نظرية التوريث التي سادت في البلدان العربية وفي أنظمتها الجمهورية تبرع المقربون من الرئيس جدا بابتكار أساليب جديدة سوقوها لأبناء الشعب أتثبت بان رئيسهم ينتمي لسلالة نبيلة وربما ارتبط اسمه بأحد الأولياء والصالحين، وحرصوا على نشر شجرة عائلته المقدسة ليخشى عباد الله من المساس به او التفكير بالإطاحة بنظامه، مع وصايا أخرى تحذر وتهدد من عقاب السماء، وكأن نظرية التفويض الإلهي التي رفضها الغرب منذ عدة قرون، وجدت لها في دول الشرق من يروج للإيمان بها، والرئيس بدوره وبوصفه الحاكم الأوحد بأمر الله استعان بالسحرة، وهؤلاء وجدوا لمهنتهم رواجا في القصر الجمهوري لهذا البلد وذاك، وخرجوا بنتائج تخدم أسيادهم وان كانت كاذبة، ولكنها لدى بعض شرائح الشعب قد تكون مقبولة.مثل هذه الأساليب المتخلفة وغيرها قابلها الجيل الجديد بالسخرية قبل الرفض وأصروا على رحيل الرئيس، وان كان سببا في نماء وخصب أوطانهم، وفي اندلاع التظاهرات الاحتجاجات فقد السحرة مهنتهم وتوجهوا الى بلدان أخرى، عسى ان يجدوا زبوناً جديداً يصدق ويقبل أكاذيبهم.. أدرك الرؤساء بعد ان فشلوا بان انبطاحاتهم ما عادت مجدية لمواجهة غضب الشارع، استسلموا لقدرهم، وفي غياب السحرة لجأوا لاستخدام الخرز والمسبحات لكشف ما يخفي لهم القدر، وليس مستغربا من هؤلاء ان يتوجهوا نحو الغيب لقراءة المستقبل، وهو بلا شك أسود ومصخم، وان صدقوا أكذوبة شجرة نسبهم.صاحب السيادة أول انبطاح مشهود له كان تخليه عن الترشح لولاية ثانية، وتبعه بانبطاح آخر بان نجله او حفيده يرفض تولي منصب الرئيس وتتولى الانبطاحات فتارة باقتراح لجنة مساعي حميدة، وتارة أخرى بحث دول الجوار على دعمه وتأييده، ليس لكونه رئيسا لبلاده وإنما لانه سليل الأولياء والصالحين وأي مساس بحياته او حكمه يعني تعرض البلد لكارثة سماوية ستمتد نحو دولة الجوار، ولآت ساعة مندم، والانبطاح الثالث بإجراء إصلاحات عادة ما يصفها المعترضون بانها ترقيعية، ومن حق المعترضين استخدام هذا الوصف فرقعة واحدة لا تكفي لمعالجة الشقوق الواسعة والعريضة، والانبطاح الرابع يتلخص بدعوة الى تسليم البلاد لجهات أمينة، اما الانبطاح الأخير فموجه للخارج وكأن الرئيس يقول للدول الخارجية، أين التزاماتكم أين دعمكم؟ اين مواقفكم؟ يوم قدمت وتنازلت وانبطحت لمطالبكم.يا لبؤس الرئيس المنبطح، ويا لخيبته عندما تخلى عنه السحرة، والحلفاء، ويا لخيبته الكبيرة عندما انضم قادته في الجيش للمتظاهرين، وحزبه الحاكم ترك أفكاره ونظرياته، وظل يحشد الجماهير ويثقفها بشجرة نسب الرئيس.الانبطاحات تتولى والاحتجاجات تتصاعد، ولا احد ينصح الرئيس بالإذعان لمطالب شعبه بالرحيل وليس سواه، وربما المقربون منه الذين يديرون وسائل إعلامه يصورن له الأمر بان الأحداث المشتعلة في البلد لا تتعدى مؤامرة خارجية، اعتقلت الأجهزة الاستخبارية من يقف وراءها، وعلى هذا الفهم والإدراك الساذج تصور الرئيس، لانه لا يرى او يتابع وسائل الإعلام الأخرى، بان شعبه مازال متمسكا به، والامر لا يحتاج سوى لترقيعات قليلة لمعالجة الموقف، متجاهلا بان الرقعة الواحدة لا تكفي.لا خيار أمام الرئيس سليل الأولياء والصالحين الا الرحيل، ومادام تعلم أساليب السحرة فعليه ان يبحث عن زبائن في المنطقة العربية ليخلصهم من استخدام المسبحات والخرز في اتخاذ القرارات المصيرية، ومن المؤكد انه سيجد الكثير من الزبائن الراغبين في خدماته، او في اقل تقدير استنساخ شجرة عائلته ليمنحها لآخر هو بأمس الحاجة إليها بعدما بدأت بوادر الاحتجاجات تتصاعد.
كــارثــة التـوريــث

نشر في: 26 مارس, 2011: 08:09 م







