بقلم/ د.عبد القادر زينلالحلقة الرابعة الذكريات.. روافد تصب في مسار الحياة.. يسقط منها ما قد يؤثر سلبا في المسار .. ويترسب منها في وعاء الذاكرة ما يؤثر ايجابا في مسارنا الطويل فيتحقق ما يقوله الشاعر: (ان الذكريات هي معنى العمر في هذه الحياة) .. وفي سواقي الذاكرة رجال ساهموا بهذا القدر
او ذاك في بناء شخصيتنا وتحديد نهجنا ومستقبلنا .. نرفعهم في بيارق الذاكرة وفاء لهم ولما قدموه .. هذا الوفاء هو الرابط الانساني الذي يبقى يذكرنا بالمقولة : (من علمني حرفا ملكني عبداً ) الى هؤلاء جميعا احني رأسي احتراماً والى ذكراهم اقدم لهم كلماتي التي يحكيها القلب والضمير.عمو بابا تمتد علاقتي مع المرحوم عمو بابا الى مدة طويلة جداً، وتوطدت وتعمقت أكثر حينما ترشحنا سويةً من قبل وزارة الشباب للمشاركة في دورة تدريبية دولية بكرة القدم أمدها ثمانية اشهر في المانيا عام 1972- 1973 .كان برنامج الدورة اليومي مكثفاً في حصصه ، حيث الجانب العملي أولاً والمحاضرات النظرية المختلفة والعديدة ثانيا ، لذلك تحتم علينا ان نلتقي بأستمرار في المعهد الذي ندرس فيه والمعروف بأسم (DHFK) وهو مختصر (المعهد العالي للتربية الرياضية والبدنية الالمانية ) الذي يستحق أن نتطرق اليه فيما بعد ، لأهميته في تطوير الرياضة العراقية من خلال تخريجه عدداً كبيراً من الملاكات الاكاديمية والتدريبية والادارية ساهمت بشكل فعّال في توسيع آفاق الرياضة العراقية. لقاءات يومية روتينية جمعتني بعمو بابا ، صباحا في الحصة التدريبية وبعدها نتلقى الدروس النظرية التي تستغرق ساعات عدة ومساء يتجدد اللقاء ايضا حيث إقامتنا في القسم الداخلي ، فلابد من خلال هذا الاحتكاك ان نواجه مواقف متباينة عدة منها ايجابية وسلبية ومتوقعة ومفاجئة ، إضافةً الى الناحية السيكولوجية غير المستقرة التي يسببها بعدنا عن الوطن والحنين اليه والى الاقارب والاصدقاء لاننا في بلد غريب .هذه الحالة النفسية المضطربة تحدث احيانا بين المجموعة في السفرات القصيرة فما بالك إذا كانت مدة الدورة او الدراسة تمتد لأشهر طوال؟ حقا ان الدراسة في البلدان المتقدمة لها من المزايا والفوائد التي لا تعد ولا تحصى من جوانب كثيرة وإحداها الحصول على الناحية العلمية الاكاديمية لان هناك ايجابيات اخرى للدراسة في الخارج ، لا تقل أهمية بنظري عن اكتساب المعرفة منها السعي والاستفادة من ثقافات وحضارات تلك الدول ، وأساليبهم التربوية في التعامل الانساني وطرق تنفيذ التعليمات والنظم التي لها علاقة مباشرة مع الناحية الإدارية المرتبطة بالجوانب الفنية ، ويخطى من يعتقد ان الجانب الفني وحده هو الذي يحقق الانجاز الرياضي ، إذ لابد من أعطاء الجانب الاداري دوره المؤثر والكبير في نجاح العملية التدريبية. فبعد مدة من وصولنا الى ألمانيا تعرض المرحوم عمو الى وعكة صحية سببت له بعض الحالات النفسية غير المستقرة حيث كان كثير التفكير والقلق بأية حالة مرضية تصيبه حتى لو كانت بسيطة واستمرت هذه الظاهرة معه الى ان وافاه الاجل رحمه الله .وفي إحدى زيارتنا له للاطمئنان على صحته كان معي المرحوم قاسم حسن الذي كان يعد اطروحة الدكتوراه في المعهد نفسه الذي كنا ندرس فيه حيث طلب منا عمو مفاتحة مدير شؤون الدارسين الأجانب لاستحصال موافقته على تخصيص سكن له خارج نطاق القسم الداخلي لانه مريض ويحتاج الى راحة اكثر .وقد اعتذر المسؤول المعني عن طلبنا معللاً بان حالته الصحية مستقرة وأنها لا تحتاج إلى ذلك ، حيث الاهتمام والعلاج قائم بالشكل المطلوب ، ومن منطلق الحرص على تلبية رغبته كررنا طلبنا باعادة النظر في الموضوع لان المريض كان لاعبا متميزا ومدربا معروفا وله مكانة في بلده و ..و.. فنظر ألينا محتداً وقال : إن عمو بابا كغيره من الدارسين ربما يكونون في بلدانهم مستثنين عن غيرهم بامتيازات معينة أما الآن فهو بالنسبة لنا طالب ؟ ونظرتنا للجميع نظرة واحدة من دون أي امتياز وهذا نظام إعتدنا عليه منذ تأسيس المعهد بعد فترة من انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الان ! لقد كانت لتلك الكلمات الدقيقة والمختصرة مغزى مهماً ودرساً مضافاً استفدنا منه كثيراً في عملنا المهني سواء الإداري أو التنظيمي ..أن الالتزام بالنظام والمعايير الثابتة بعيداً عن الخصوصيات والعاطفة يعدان قمة العطاء.مشكلة عمو بابا مع كلمش!جرت العادة في المعهد وبعد بداية كل دورة تدريبية جديدة التي يصل عدد المدربين فيها أحيانا الى 25 مدرباً أو أكثر إن يتم تشكيل منتخب كروي للمعهد من الدارسين ولكون المعهد معروفاً بمستواه الأكاديمي على مستوى العالم فان أغلب المدربين المشاركين في تلك الدورات هم ممن يمتلكون مهارات ولياقة بدنية جيدة وانهم من متوسطي الاعمار ليتمكنوا من تنفيذ الجانب العملي الذي أمده من ساعة ونصف الى ساعتين يوميا ، وفعلا كان هناك من بين المشاركين أفارقة ذوو مستويات عالية! لذلك فان اختيار منتخب للمعهد لم يكن سهلا لوجود هذا الكم من المستويات الفنية العالية المتقاربة وقد فوجئنا بان عمو ينتقد المدرب كلمش المسؤول عن كرة القدم في المعهد بسبب عدم اختياره ضمن منتخب الكلية وقد أستغرب كلمش خص
عمو بابا.. أزمة نفسية أرهقته في المانيا.. ونكسة لوس انجلوس لم تهدد حياته!

نشر في: 28 مارس, 2011: 05:26 م









