TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > معادلة الصورة والحدث

معادلة الصورة والحدث

نشر في: 29 مارس, 2011: 07:07 م

كاظم الواسطيتكاد أنظمة الاستبداد العربية تُجمع، اليوم، وبعد تصاعد حركة الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية في بلدانها، بأن السبب الرئيس الذي يقف وراء الأحداث ناتج عن تدخل « قوى خارجية « تهدف إلى العبث بمقدرات هذه البلدان، وجرها، بقوة أجندات أجنبية، إلى فتنٍ طائفية مخططٌ لها وفق صياغات « نظرية المؤامرة « التي تزعزع أيّة محاولة موضوعية لفهم الواقع على ضوء الحدث السياسي والاجتماعي، ومتغيراته المتسارعة على الأرض. وكان مثل هذا الاعتقاد سائدا ومؤثرا في مرحلة ما قبل التطورات الفائقة في مجال تكنولوجيا المعلومات،
 وتسارع نمو وسائل الاتصال بنوعيات متعددة الاستخدام والتأثير. لقد أحكم المستبدون حصونهم على « الرعية «، وسدوا كل منافذ التواصل مع العالم الخارجي، كما لو أن هذا العالم مختص بتصدير كل أنواع الأوبئة، وفيروسات الفتك بصحة « الرعايا « النائمين بخدر الخضوع على مضاجع الخوف الأبدي. إن المستبدين العرب عملوا بكل قوة ومثابرة على « إراحة « عقل المواطن على وفق ما يتطلبه السيرك السياسي المعني بترويض مخلوقاته بكل الوسائل المتاحة، والمبتكرة بتجاربها المعدة لهذا الغرض. وتحولت هذه العلاقة بين المستبد والمواطن إلى علاقة تماثل قطيعي تشمل كافة المواطنين بسماتها الأحادية غير القابلة للتجزئة، والاختلاف. وهذا يعني، بفرضية المستبد، أن الواحد يساوي الكل، وأن تفكيره وتصرفه لا يمكن، ولا يجوز أن يكون مغايرا لحالة التماثل التي عمل المستبد كل ما بوسعه، من أجل أن تكون مثال سيركه الذي لا يسمح بتدنيسه من أيّ شخص أو قوة تحاول الخروج على قوانينه « الخالدة «. ولكن ما لم يدركه المستبدون أن الحياة مبنية على الحركة والتغيير عبر تأثرها بما يحيط بها، وتفاعلها مع ما يجري حولها. خصوصا في عالم بات صغيراً، ومخترقاً من الجهات الأربع، بقوى أثيرية لا تصدها جدران قلاعهم، مهما بلغ سمكها، ومهما حاولوا في زيادة طولها. وهم يوهمون الناس بوجود أشخاص غرباء « قوى خارجية « تمارس العبث في « أمن البلاد « من الداخل، لأنهم لا يريدون أن يصدقوا، أو يعتقدوا، بأن من روضوهم كل هذه العهود، وجعلوهم على مقاس واحد، يجرءون أو يخاطرون في تجاوز صنمّية التماثل غير القابلة للانكسار، بتأثير قدرات التواصل الناعمة جدا، وتحفيزها لتراكمات عذاب الروح التي تنمو بالرغم من كل عمليات التعسف والقسوة التي تمارس عليها من هؤلاء المستبدين، وهي تصل إلى الدرجة القصوى من تحمّل القيود، واستلاب الذات، ليكون خيارها الوحيد في كسر هذه القيود، واستعادة الذات من براثن الاستبداد. ولن يكون بمقدور أحد في ظل طغيان الصورة، ونقل الحدث مباشرا على شاشة صارت جزءاً من أثاث البيوت، أن يُخادع بإخفاء الأسرار، وتحريف وقائع الأحداث.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram