قيس حسنشقيقان،في صف دراسي واحد،هو الخامس الابتدائي، أحدهما مراقب ، مهمته تأمين الهدوء داخل الصف الدراسي قبل دخول المعلم ،وتسجيل اسماء الطلبة المشاغبين على لوحة الدرس لمحاسبتهم ،مهمة رقابية كهذه يمكن ان تنمي روح القيادة والالتزام بالقانون لدى الاطفال، ولكنها مع "بطلنا " المراقب اتجهت اتجاها مغايرا تماما لما يمكن او يفترض ان تكون عليه ،حيث حولها الى وسيلة للابتزاز، فهو يعتمد على قاعدة الفساد المشهورة وهي"الشقوات تصعب معاقبتهم " و" الاغنياء يمكن ابتزازهم "،ولان طفلنا " البريء" لم يشاهد نموذج غير فاسد في الادارة في محيطه الاجتماعي كان فاسدا بامتياز، واليكم كيف يؤدي هذا الطفل مهمته :
يسجل على سبورة الدرس إسم زميله كمذنب، ثم ينسل الى هذا المسكين شقيق المراقب باعتباره " واسطة قوية "، ويهمس باذنه مرشدا اياه على طريقة للنجاة ، فهو يساومه على مبلغ " 250 " دينار او قطعة حلوى او ماشابه، ليمحو اسمه كي لايعاقب،ولكي يدفع المتهمون وهم عادة من " الاغنياء"، عن انفسهم عقوبة متوقعة يضطرون الى الخضوع لهذا الابتزاز، ويمنحون طفل "الكاوبوي"، ما يريده،ويضيف طفلنا لطريقته " العراقية " في الادارة ملمحا آخرا، ففي الوقت الذي يسجل فيه "الشقوات " اعلى درجات الضجيج والاستهتار لتصل الى حد العنف الجسدي او النفسي اتجاه زملاءهم ،يغض "مراقبنا "الفاسد النظر عنهم ، فهم اصحاب ايدي طويلة ومواجهتم ستكون باهضة الثمن . اعرف،ان هذا الطفل البريء لم يفتح عينيه على صورة مناقضة ومنافية لما يفعله هو في الصف ومع زملاءه ، هو لم يشاهد فقط كيف يستغل " الكبار " مناصبهم ووظائفهم لنفعهم الشخصي بشكل واضح وصريح ،بل يلمس بيديه قيم مجتمعه التي تمجد هؤلاء وتلبسهم ثوب البطولة ، ان عبارات من قبيل " سبع الي يعبي بالسكلة ركي " " وبطل الي يطلع نقش " وغيرها من الامثلة الشعبية الموغلة بروح البداوة هي ما اعتادت عليه آذان طفلنا وروحه البريئة ، فهو لم يسمع يوما ان فاسدا، سارقا للمال العام او موظفا حكوميا يبتز الناس باسم حزبه او ميليشياته ، قد نبذه المجتمع ، او امتنع عن التعاطف معه او التقرب منه ،بل العكس، فهو يسمع من محيطه ما يمجد هذا السارق ، ويشاهد درجة الخوف منه ،واخافة الناس حسب قيم البداوة تعني البطولة ، انه يلمس علامات احترام "الابطال" وتقديرهم والتزلف لهم ، فلماذا لايكون بطلا ؟ وكيف له ان يعي ان مايقوم به هو فعل غير اخلاقي و غير قانوني ؟ اي قيم مجتمعية وقفت امامه لتكون مقياسه للحق والعدل ؟ انه لم يفعل سوى ما يرضى عنه محيطه ،وهو يريد الانسجام مع هذا المجتمع وليس الاختلاف ، ويريد ان يكون جزءا من الشائع ، واليومي ، والطبيعي ، و"البطولي" لاغير . انه "بطل" وضحية في نفس الوقت . والسؤال هنا . ما العلاقة بين فساد المجتمع وفساد السلطة؟من يفسد من ؟ هل يمكن ان ينتج مجتمع نزيه ، حكومة فاسدة ؟ وهل يمكن لحكومة فاسدة ان تنمي روح النزاهة في المجتمع ؟.
طفولة !

نشر في: 29 مارس, 2011: 07:08 م







