بقلم - د. عبد القادر زينلالذكريات .. روافد تصب في مسار الحياة.. يسقط منها ما قد يؤثر سلبا في المسار .. ويترسب منها في وعاء الذاكرة ما يؤثر إيجابا في مسارنا الطويل فيتحقق ما يقوله الشاعر: (إن الذكريات هي معنى العمر في هذه الحياة) وفي سياق الذاكرة رجال ساهموا بهذا القدر او ذاك في بناء شخصيتنا وتحديد نهجنا ومستقبلنا .. نرفعهم في بيارق الذاكرة وفاءً لهم لما قدموه.. هذا الوفاء هو الرابط الإنساني الذي يبقى يذكرنا بالمقولة (مَن علمني حرفا ملكني عبدا).
إلى هؤلاء جميعا احني رأسي احتراماً والى ذكراهم أقدم لهم كلماتي التي يحكيها القلب والضمير. المرحوم إسماعيل محمدإذا كان من الصعوبة أو من النوادر أن تجد إمكانات عالية وسمات وخصالاً تربوية تجتمع في شخص ما فأن الواقع يثبت أن الإمكانات والسمات والخصال تلك كلّها كانت مجتمعة في شخص المرحوم الأستاذ القدير إسماعيل محمد (أبي وصال)، حيث يعد الراحل أحد المراجع للرياضة العراقية بشكل عام، وكرة القدم على وجه الخصوص، وهو من القلة حيث جمع في ذلك الوقت بين الجانب الثقافي من خلال اندفاعه وسعيه للمشاركة في دورتين تدريبيتين عامي 1948و1949 في انكلترا للحصول على شهادة الدبلوم والدبلوم العالي ليمارس مهنة التدريب لفرق عدة منها منتخب العراق وفريق مصلحة نقل الركاب.وقد اكتشف العديد من اللاعبين البارزين أمثال سعدي صالح وعمو بابا وعصمت السيد وغيرهم ، وقد اختير كأول معلق كروي لثقافته الرياضية الواسعة، وكانت تلك المباراة التي قام بالتعليق عليها هي المباراة الودية التي جرت على ملعب الكشافة بتاريخ 30 -1 -1955 بين منتخب الجيش المصري ومنتخب العراق العسكري التي انتهت 3-2 لصالح المنتخب العسكري المصري. ويعدّ الأستاذ مؤيد البدري من تلامذة المرحوم إسماعيل محمد في التعليق فهو الذي شجعه وأعطاه الفرصة ليصبح بعدها معلقاً متألقاً. وهنا لابد من الإشادة بمثل تلك المبادرات المخلصة بإعطاء الفرص للغير ليثبتوا قدراتهم في المجالات المتاحة بشكل عام، وفي هذا نكون قد خدمنا المهنة بكل شرف بعيداً عن الأنانية والاحتكار وهيئنا البدلاء لخدمة المجتمع الذي هو جزء أساسي في خدمة البلد، وهكذا هي دورة الحياة وحقا كما قيل (زرعوا فأكلنا.. نزرع فيأكلون) فالمرحوم كان يتسم بعدم الأنانية وحب تعليم الغير. أما الجانب الآخر الذي تميّز به المرحوم إسماعيل محمد، فهو الجانب الإداري من خلال رئاسته لاتحاد كرة القدم عام 1955وشغل عضوا وأمينا عاما للجنة الاولمبية العراقية لسنوات طوال، وكذلك مديراً عاماً للرياضة المدرسية التي شهدت في وقته آفاقا جديدة من حيث اختيار الملاكات التدريسية والتدريبية والكفوءة التي لعبت دوراً كبيراً ومهماً في توسيع القاعدة الرياضية لأغلب الألعاب، خاصة كرة القدم من خلال اكتشاف العديد من الطلبة ذوي المواهب الكروية الذين أصبح لهم فيما بعد شأن في المنتخبات الوطنية الكروية. موقف انساني في عام 1972- 1973 رشحنا كوفد رياضي من قبل وزارة الشباب للمشاركة في الدورة التدريبية الدولية المزمع اقامتها في المانيا، وكان وقتها المرحوم إسماعيل محمد وكيلا لوزارة الشباب، وقبل السفر بيوم واحد توفي اخي الكبير يرحمه الله، ما حال دون أمكانية سفري مع الوفد في الوقت المحدد، وقررت الاعتذار عن المشاركة في الدورة لظروف عائلية طارئة.. وفي اليوم الأخير من مراسيم العزاء، حضر إسماعيل محمد لتأدية واجب العزاء وتقديرا واحتراما له جلست بجانبه شاكراً مجيئه وحضوره،وقد فاجأني من دون اية مقدمات مبديا حرصه قائلا: متى تسافر، ينبغي عليك ان لا تتأخر عن الالتحاق بالوفد ؟ فقلت له: أرجو قبول اعتذاري عن السفر لأسباب عائلية صعبة تخص عائلة أخي المرحوم ، وبعد ان اطلع على الأسباب قال: انتظرك صباح الغد في الوزارة .وعندما التقيته في اليوم التالي لمست منه تعاطفا كاملا مع موضوع عائلة أخي وكأنها جزء من عائلته متلافيا الصعاب كافة وباذلا جهوداً إنسانية لتوفير أهم احتياجاتهم وقد شعرت بسعادة بالغة وارتياح نفسي لمعاونته في حل تلك المعضلة شاكرا له موقفه المشرف الذي لا يمكن نسيانه وهذا ما كان معروفا عنه من أصالة وقيم إنسانية مع الرياضيين الذين يعتبرهم أبناءه ، ولم يكن يألُ جهدا للاستماع الى مشاكلهم وحلها، ولذلك وبرغم ابتعادنا عن البلد منذ فترة طويلة، إلا أننا لم نبتعد عنه ولم تقف مسافة البعد تلك حائلاً دون الاستفسار الدائم عن أحواله وصحته، لأننا نقدره ونعتز به، وكنا حريصين كل الحرص على الاتصال به لتفقده تقديراً منا لشخصه الكريم ووفاءً له برغم إصابته بوعكة صحية إلا أنه حرص ان يحضر.لمناسبة مرور عام على وفاة المرحوم عادل بشير ووفاءً له ولما قدَّمه لكرة القدم العراقية، ارتأينا أن نقيم مباراة أو بطولة باسمه من خلال اتحاد كرة القدم ، ولسبب مجهول ، أرجئ النظر في إقامة تلك المناسبة ! وكان موقفا محرجاً بالنسبة لنا، لكوننا قد أعلنا عن نيتنا ورغبتنا على إحياء تلك المناسبة، ولذلك فقد حرصنا على إقامتها بفكرة بديلة حيث اخترنا أبرز أربعة فرق شعبية في وقتها وهي فرق شباب الطليعة واتحاد حبيب والمشتل إضافة الى منظم البطولة فريق داينمو بغداد.. وفي المباراة النهائية كانت النية متجه لدعوة الأستاذ إسماعيل محمد ليرعى المباراة، بعد ان زرته في بيته الكائن في منطقة الاعظمية موجهاً
الحلقة الثامنة:إسماعيل محمد..أحد الأوتاد الرئيسة في بناء الكرة العراقية وآفاق تطورها

نشر في: 25 إبريل, 2011: 05:19 م









