حازم مبيضينيعيش العراق جملة من الأزمات المتلاحقة, منذ سقوط نظام صدام حسين قبل ما يقارب عقداً من الزمن, وصعود سياسيين إلى مواقع الحكم, يفتقرون إلى التجربة الادارية, بحكم قضائهم أعمارهم في معارضة نظام البعث, وابتعادهم عن مفاصل إدارة الدولة, وأيضاً بسبب انهيار بنى الدولة العراقية,
على يد قرارات بريمر, الذي شاء وضع بلاد الرافدين على طريق منزلق نحو الهاوية, وترك بغداد وهو يحمل من الغنائم ما تنوء بحمله البنوك المركزية, بينما خزائن العراق تحتاج كل فلس لإعادة إعمار ما دمره صدام خلال ثلاثة عقود من دكتاتوريته, وبعد ذلك الحرب التي أطاحته على يد جنود العم سام.منذ العام 2003 والعراق محكوم بنظام يستعصي فهمه على المراقب الخارجي, فأعضاء في الحكومة يتمسكون بكونهم معارضين لها أو لرئيسها على الأقل, والأغلبية النيابية تغط في نوم عميق, لصالح حكومات التوافق الوطني اسماً, وتقاسم الغنائم فعلياً على قاعدة المحاصصة الطائفية وسيادة الفساد بكل أشكاله وأنماطه, وتتمثل قمة المأساة حين يتهم أو يمارس نائب رئيس الجمهورية الإرهاب, فيغادر البلاد شبه لاجئ في تركيا, وبمعنى الإستقواء بمحيطه الطائفي, بينما هو في الوقت عينه, يتهم رئيس الوزراء بالاستقواء بمحيطه الطائفي الخارجي في طهران, واللعبة هنا بغيضة بغض النظر عن لاعبيها.يختلف رئيس الوزراء مع مسعود بارزاني, حول قضايا الديمقراطية وتقاسم المواقع في الحكومة الوفاقية, فيدعو مجلس الوزراء للاجتماع في كركوك, المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان, فتلوح أربيل بالاستفتاء على تقرير المصير, ويتحالف معها كل مناوئي المالكي بمن فيهم بعض المكون الشيعي, ويفقد نائب رئيس الوزراء منصبه رغم أنه تسلمه بصفقة مع قائمة العراقية, التي تبدو اليوم مفككة أكثر من أي وقت مضى, وقد فقد زعيمها أو عرابها فرصة رئاسة مجلس الاستراتيجيات, وانشق عنها من يفضلون البقاء في مواقعهم, ولو بقيادة المالكي, على الالتزام برغبات الناخبين الذين أوصلوهم إلى تلك المواقع, وحاولوا من خلالهم تنحية المالكي وحزب الدعوة عن موقع قيادة العراق.في الأثناء يحتل العراق موقعاً متقدماً جداً في لائحة الدول الفاسدة, ويبدو أنه ينافس على الموقع الأول, فيما نخبه تتنافس على المواقع الأكثر إنتاجية للمال, والأقل خضوعاً للمراقبة, رغم أن الدستور أنشأ أكثر من جهة للمراقبة وضمان النزاهة, وتسيطر الحكومات على إعلام الدولة, المفترض أنه للجميع, فيكرس ذلك الإعلام كل أدواته للدفاع عن رئيس الحكومة, ويتحول إلى ناطق باسمه, بدل الدفاع عن مصالح المواطنين, والنطق باسمهم لتسمع الحكومة المحصنة في المنطقة الخضراء صوت مواطنيها.في العراق فقط يحتاج كل مسؤول مهما تدنت مرتبته الوظيفية إلى حمايات, ولا يتحرك إلا بموكب حراسة, ونظن أن هذه الحالة تجاوزت بكثير وبمراحل ما كان سائداً أيام البعث والزيتوني, ونحن على يقين أن ليس هناك دولة في عالمنا المعاصر, يتوفر فيها هذا الكم من الحمايات للمسؤولين, وهي حالة تحكي عن عدم ثقة المسؤولين بشعبهم, أو عدم مقدرتهم على توفير جو آمن, يتيح لهم التنقل دون هذه الحراسات المشددة.في العراق فقط تجتمع المعارضة والموالاة تحت سقف المصالح, في حالة من التناحر التي تشل الدولة, وفي العراق فقط, تمنع الحكومة العمال من مشاركة العالم بيوم العمال العالمي, وفي العراق فقط, ورغم كل هذا الخراب يتمسك المواطنون العاديون بوطنهم ومواطنتهم, ويعودون من منافيهم التي لجؤوا اليها أيام صدام, ليتشاركوا في البناء, فيجدون أنفسهم على رصيف الحياة, بلا أي أمل في مواطنة متساوية, لكنهم يصرون على البقاء.في العراق يتفنن الساسة في اختلاق الأزمات, التي يعجزون عن حلها, ويدفع المواطن الثمن, وللأسف يدفعه المسؤولون إلى الترحم على أيام زمان.
في الحدث: أزمات مستمرة بغير حلول

نشر في: 4 مايو, 2012: 08:48 م







