علي حسينلم تخلُ قضية مهرجان بابل من بعض الفكاهة والسذاجة إن لم نقل "مضحكات"، فاقت كثيرا ما عاناه عمنا المتنبي حين وصف هذا النوع بأنه ضحك كالبكاء.من هذه المضحكات المبكيات ما اعتبره البعض كشفا خطيرا مثلما قال رئيس مجلس محافظة بابل قبل سنتين "لا نريد مهرجانا يكون امتداداً للمهرجانات السابقة التي أقيمت في بابل لأن تلك المهرجانات كرست لتمجيد النظام الدكتاتوري السابق، نريد مهرجانا ثقافيا وفنيا يعكس مظلومية المحافظة"، فيما انتقد احد المتنفذين إقامة المهرجان لأنه حسب تعبيره جزء من النظام السابق،
ونسي الرجل أن الحكومة تستعين اليوم بقوانين "القائد الضرورة" لكي تخرس الأصوات المناوئة، بل إنها ترفض حتى المساس بهذه القوانين التي تعزز سلطة وهيمنة الرجل الواحد. هكذا وجدنا الثقافة تتحول إلى مناسبة لممارسة أنواع من الدجل على اعتبار أن أحداً لن يتوقف ليعمل عقله في هذا التسابق المجنون على إضفاء جوٍّ من الإثارة والسخونة على مهرجان فني، هدفه إظهار ثقافة وفنون العراقيين، إلا أن البعض وجد أن إقحام الرقص والخلاعة في القصة سيعطيها مزيدا من التوابل، وحين لم يعثروا على أي خيوط تخدم هذه الرواية المضحكة استداروا ليقولوا إن أهالي مدينة الحلة يرفضون إقامة فعاليات غنائية على ارض بابل لأنها مخالفة لتعاليمنا الدينية.وإذا كان البعض مصنفا أساسا في قائمة محترفي الدجل، فإن الأمر يدعو للرثاء حين تجرى هذه الخزعبلات على ألسنة مسؤولين رسميين وجدوها أيضا فرصة لإظهار ورعهم وتقواهم.. ومن هؤلاء النائب علي الشلاه الذي قرر وبلفتة عبقرية إلغاء مهرجان بابل وإقامة بديل له أطلق عليه اسم "مهرجان بابل الأول للثقافات والفنون العالمية" حيث بشرنا بأن "المهرجان لن يتضمن فعاليات غنائية"، مشيرا إلى أنه "سيشهد فعاليات أدبية وثقافية من شعر ورواية وقصة ومسرح".ولا ادري هل يملك السيد الشلاه الشجاعة لكي يقول لنا لماذا تم إلغاء الغناء، والاهم أن يخبرنا من أين له أن يقيم مهرجانا دولياً وهو نائب من المفروض ألا يملك إمكانات تفوق إمكانات وزارة الثقافة التي تعجز عن إقامة ابسط مهرجان ثقافي، فقد صرح الشلاه في أكثر من مكان أن المهرجان لا يتلقى أيّ دعم حكومي، وان مكتب رئيس الوزراء بريء من الصرف على مهرجانه كبراءة الذئب من دم يعقوب، مشكلة النائب الشلاه الحقيقية أن الناس لا تصدقه مهما تحدث، ومهما استخدم من حجج ومبررات وأسانيد.فعندما تصدر صحيفة شبه رسمية ملحقا خاصا عن المهرجان في عدد أمس الأول، وهي بادرة لم تقم بها هذه الصحيفة مع العديد من الفعاليات سواء الثقافية او السياسية، فهذا يعني أن المهرجان ممول من الحكومة حصرا وان جيب السيد الشلاه لن يتحمل "فلسا واحدا" هذه هي واحدة من علامات استفهام كثيرة تجعلنا نفقد الثقة في كلام السيد النائب حول استقلالية مهرجانه، وتجعل الاتهامات تطارده، وتلاحقه أينما ذهب.. كيف استطاع نائب في البرلمان أن يفرض على الحكومة إلغاء مهرجان وتمويل مهرجان آخر وبأي وسيلة؟هذا هو السؤال الذي لا يريد علي الشلاه أن يجيب عنه، بينما شغل نفسه، وشغلنا معه، بالإجابة عن تساؤلات أخرى.. مثل أن "المهرجان لا يمثل امتدادا لمهرجان بابل خلال حقبة نظام صدام حسين"، ولم ينس الشلاه أن يذرف الدمع على بابل التي قال عنها "من الظلم ان تصور مدينة الحلة كحاضنة للغناء". طبعا هذا الكلام عن الغناء لم يأت من امام جامع او رجل دين وإنما من نائب يتولى منصب رئيس لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان الذي من المفترض انه يمثل كل شرائح الشعب، إلا إذا كان الشلاه يؤمن بان المواطنين الذين يستمعون إلى الغناء يستحقون الرجم وسحب الجنسية العراقية منهم وطردهم خارج حدود مملكة الشلاه الإيمانية التي لا تزال تسير على خطى "الحملة الإيمانية" للقائد الضرورة.لا يكفي أن يقول علي الشلاه إن المهرجان لا علاقة له بالحكومة، فتصدقه الناس، ولا يكفي أن ينفي تدخله باختصاصات وزارة الثقافة، ولا يكفي أن تعرف الناس أن نائبها الموقر قريب من رؤوس القرار في البلاد فيسلمون بصحة أقواله، ويقولون له:.. آمين!
العمود الثامن :من نبوخذ نصّر إلى علي الشلاه!

نشر في: 4 مايو, 2012: 10:48 م







