TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > العراقيون والبؤس

العراقيون والبؤس

نشر في: 11 يناير, 2013: 08:00 م

الشعب العراقي بين أكثر شعوب الأرض بؤسا. وبؤس العراقي لم يكن وليد الساعة بل هو معتق منذ مئات السنين باستثناء فترات قصيرة محدودة. والبؤس يترسب قتامة بين غضون بشرة الوجه عند العراقي يطفئ البريق في العيون ويشيب له شعر الرأس. العراقيون متشابهون في ملامحه

الشعب العراقي بين أكثر شعوب الأرض بؤسا. وبؤس العراقي لم يكن وليد الساعة بل هو معتق منذ مئات السنين باستثناء فترات قصيرة محدودة. والبؤس يترسب قتامة بين غضون بشرة الوجه عند العراقي يطفئ البريق في العيون ويشيب له شعر الرأس.

العراقيون متشابهون في ملامحهم العامة ويستطيع أي فرد تمييزهم من بين جميع الاقوام. وحتى ميسور الحال منهم  يشبه الفقراء في كل شيء ولا يكاد يعلو عن بؤسهم على الرغم من امتلاكه اجنحة المادة ولكنه لا يستطيع التحليق بعيدا عن مدارات واقعه المخرب.. البؤس علّة نفسية تنعكس في ملامح الإنسان المشوهة وفي خطاه المرتبكة. والبائس هو اقل الموجودات ارتباطا بواقعه وفي الفضاء المحيط به. هو مشلول الإرادة لا ينتمي الى زمن معين فهو منفصل عن الماضي ومتغرب عن الحاضر، أما المستقبل فيشكل كابوسا ثقيلا يجثم على الدوام  فوق انفاسه. البائس منقطع عن مجتمعه يشعر بالوحدة، والآخرون شركاؤه في المجتمع لا يراهم ولا يرونه، والكل يعيش لحاله ويخوض في مستنقع اللاجدوى الذي وجدوا أنفسهم فيه.

ليس الفقر بوصلة البؤس الوحيدة فالكثير من المجتمعات فقيرة بمدخولاتها المادية ولكن أبناءها ليسوا بائسين وهم متواصلون مع الماضي ومندمجون مع الحاضر ويتطلعون الى المستقبل، يبصرون أنفسهم والآخرين. الأمل يبرق في عيونهم وكلهم يقين بأنهم فاعلون في المجتمع وقادرون على تغيير الواقع ورسم ملامح مستقبل مضيء. العراقي هوية باهتة وبوستر لمن ضيع وطنه الى الأبد في البلدان الأجنبية وفي إعلانات الامم المتحدة، والمدن التي يعيش فيها العراقي هي أسوأ امكنة العيش. العراقي لم يذق طعم الحرية رغم أن الجميع يتشدق بأنهم جاءوا محررين الى هذا البلد. هو مسلوب المشاعر، ويعيش تحت رحمة سلطة المؤسسة الدينية ونواميس العشيرة ويُزرق على الدوام بأفيون الاوهام والخرافات. لا قرار له في ادارة شؤون البلاد، وحتى صوته الذي يوضع في صناديق الانتخابات غالبا ما يسرق او يُزيف او يذهب دون وجه حق الى سياسيي الصدفة وأصحاب الشعارات المخدرة البراقة.

العراقي البائس يتلقى الصفعات أنى يدير وجهه. لقد تكالب عليه الدكتاتوريون والإرهابيون والفاسدون والمزورون والأميون الذين يديرون البلد دون ان يعرفوا الوجهة المبحرين إليها. إنهم يغرقوه في بحر قصورهم الفكري فمن أزمة قاتلة يخرجوه منها في آخر نفس يدخلوه ثانية في أزمة اشد وأقسى يمنحوه جرعة حياة قاصرة ليدخلوه في ثالثة مظلمة، والبلد دائر في دولاب من الضياع والدم والخراب والفوضى وسرقة المال العام، والخاسر الوحيد في دورة اللاحياة واللاموت هذه هو المواطن الذي وضع السياسيون على صدره نياشين كاذبة مقايضة لحياة أهدروها بجنونهم ومكرهم السياسي. البائس يردد على الدوام لازمة واحدة ان لا شيء سيتغير لان جلاده ماثل امام عينيه على الدوام ولا امل في تغييره. هذا الجلاد الدكتاتور استحوذ على كل شيء ولم يبق لأحد شيئا، وحين يُسأل الدكتاتور: هل سترحل يوما ما، فانه يقول: لن أعطيها لأحد من بعدي. عراقي تائه لان من حكموه ويحكمونه قساة قلوب مهووسون بامجاد زائفة لا يضعون نصب اعينهم سوى أحلامهم المريضة. لقد ضيعوا العراق في جولة قمار خاسرة وبقي العراقي واقفا على ارض رخوة ينهشه البؤس ويرسم له ملامح مفارقة عن كل البشر. 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram