TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > من يدلني على "لذة" لا ترفع الضغط؟

من يدلني على "لذة" لا ترفع الضغط؟

نشر في: 26 يناير, 2013: 08:00 م

آخر مرة داهمني ارتفاع الضغط كنت احدق في صورة التقطتها لقبر السياب قبل اسبوعين. في مقبرة الحسن البصري بالزبير هناك مبنى من طابوق بغدادي ينام داخله جسد الشاعر الذي مات بعمر اربعة وثلاثين سنة وعانى من المرض الامرين.

وفي روائع بدر شاكر السياب وبضعة شعراء وكتاب آخرين، موسيقى "ترفع ضغطي". احيانا اقرأ بصوت عال في عزلة الفجر فيصبح الضغط عشرين على أحد عشر. والموسيقى في نصوص هؤلاء لا يضارعها سوى ايقاع شرقي هائل في معزوفة شيراز التي يؤديها فريق "سنتور نوازان" باسم "زه بعدما" (وتعني: من بعدما). وهذه ايضا ترفع الضغط.

وفي الحقيقة فقد عشت اربعة وثلاثين سنة بصحة وافرة، حتى انني راجعت طبيب مخيم اللاجئين بسبب انفلونزا قوية عام ٩٢ ولم ادخل بعدها عيادة اي طبيب حتى فاجأني ارتفاع ضغط الدم صيف ٢٠١١. وبدا لو ان السماء اعلنت اني سأدخل بعد ٣٤ سنة من العافية، فصل ألم رهيب. فمنذ ٢٠١١ زرت عشرات الاطباء، محاولا البحث عن حل لتقرحات المريء والمعدة، وسعيا للسيطرة على ضغط الدم القلق والمزعج ليس بالنسبة لي وحسب بل وللمحيطين بي داخل التزامات العائلة والعمل. المرض يؤدي الى تقصير في الواجبات، وحين يدهمك في الخامسة والثلاثين فإنه يخرب لذة منتصف العمر الحلوة.

ومشكلتي ان هذا الخلل في حركة السائل الاحمر داخل الشرايين، يداهمني في الغضب الشديد والسعادة العارمة بلا فرق. اي انني اعاني آثاره وآلامه حين اناقش في حلقة تلفزيونية حلفاء السلطان ومأساتنا المحاطة بمخاوف العنف، كما يداهمني الالم حين اقرأ نصا من روائع السياب او محمد خضير (خاصة مقدمته الهائلة لكتاب: في درجة خمسة واربعين مئوي حين اضحى جليس المنزل لشهر بسبب كسر في الكاحل).

آخر مرة داهمني الضغط كنت احدق في صورة التقطتها لقبر السياب قبل اسبوعين. في مقبرة الحسن البصري بالزبير هناك مبنى من طابوق بغدادي ينام داخله جسد الشاعر الذي مات بعمر اربعة وثلاثين سنة وعانى من المرض الامرين. بدا لي القبر حشدا من الاغنيات والايقاعات. لقد نام السياب محفوفا بكل القصائد العظيمة التي كتبها وتلك التي كان ينوي كتابتها. تظلله كل الحروف الهائلة التي قرأها او التي لم يسعفه الوقت لقراءتها. حشد الالحان والحروف يكلله ويمنع عنه اي لعنة او خطيئة.

في اللحظة التي تأسرني هذه الصورة وتمنحني لذة عميقة للادراك والحس، ينتابني ألم المعدة القاسي وتبدو آثار ارتفاع ضغط الدم. وفورا تنقطع اللذائذ ويبتعد جرف الحياة كذكرى او حلم شفاف ينطفئ، لتطل الروح على مأزق جسد صار لا يحتمل كل هذا الالتذاذ.

الطبيب ينصت بلا استغراب لشكواي. المعدة تهيج والضغط يتقافز بجنون، فيقول لي: لولا جسدك الشاب لقتلتك درجة العشرين على احد عشر. ما الحل يا دكتور. يجيب: عليك ان تجتنب اللذة والحماس والغضب. ان قراءة تصريح للمالكي او قصيدة للسياب ترفع ضغطي وتدمر معدتي. الألم واللذة يؤذيان. والطبيب يقول: اذا اردت التخلص من آثار الضغط والمعدة فعليك ان تكون هادئا، بلا لذة وبلا انزعاج.

لكن الامر ليس اختياريا ايها الطبيب، وطبعا فإنني لست أول حالة مرضية بهذه المواصفات فكيف تعالجون مأزقا من هذا القبيل؟ لم يتردد الدكتور وأعطاني حبوبا مهدئة اسمها "دينكست" وظيفتها "تخفيف الحماس" كما زعم. يقول الطبيب: لديك حماس يكفي لبضعة اشخاص وجسدك مخصص لشخص واحد. ووظيفة المهدئ تقليص حجم الحماس ليتناسب مع قدرة الجسد.

الدواء هذا يعمل معي قليلا، رغم انه يحرمني درجة من يقظة الادراك الشديد، ودرجة من القدرة على ادراك كنه اللذة. وحين اعود للسياب او معزوفة "زبعدما" الشيرازية يبطل مفعول المهدئ ويعود ضغطي للارتفاع وصدري للتوجع.

وهناك مفارقة بين اللذة والمرض تؤلمني اكثر من المرض نفسه. فقبل ان تداهمني الاعراض المزمنة هذه بأسابيع قليلة وحسب، صرت ادرك مستوى عميقا من الالتذاذ باللغة والموسيقى اجربه لاول مرة في حياتي. تلك اللحظة كنت في اوج الحاجة لمزيد من العافية كي استمتع بالعمق الذي وصلته بعد حفر مثابر في تجارب الروح مارسته ٣٤ عاما. لكن في تلك اللحظة شعرت وقت الفجر، وبينما انشغلت بقراءة نص عظيم لبورخيس مع موسيقى الجيبسي الاسبانية، ان الالهة قررت ان تعاقبني. فالوصول الى هذا العمق من بحار اللذة ممنوع. ملعون من وصل إليه، او هكذا يبدو لي الامر الان. وكان الثمن عاهة مبكرة تقضي بحرماني درجات المتعة الرفيعة والحماس المجنون (الذي يكفي بضعة اشخاص) داخل هذا الجسد (او السجن).

زوجتي اخصائية علم الانسجة تقوم بتذكيري بعهد قديم بيننا. كنا صغيرين حين ارتبطنا، انا بعمر ٢٤ وهي تصغرني بعامين. ابرمنا صفقة، انا انفق على العائلة وأوفر حياة كريمة لاثني عشر عاما، وهذا عدد مقدس في حضارات العالم القديم. ثم تنتقل المسؤولية إليها فتنفق هي علي اثني عشر عاما اخرى، وبعدها لو بقينا احياء نبدأ تفاوضا جديدا حول مسؤوليات الاسرة. لقد اتممت انا قبل بضعة شهور حصتي من هذه الصفقة والباقي عليها هي!

هي والطبيب يعتقدان انني لم أعد صالحا لتحمل مسؤوليات ادارة الفريق الصحفي وهي مهنة اتولاها منذ نحو عشر سنوات في مؤسسات عدة. مستوى الاتقان الذي ابحث عنه غير متاح الا بحماس يكفي خمسة اشخاص ويرفع ضغطي ويحرق احشائي. علي ان احصل على دور استشاري ربما، كي لا ادخل غرفة الانعاش ثانية. هل يدلني احدكم على مهنة او لذة، لا ترفع الضغط؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 3

  1. ابو علي الزيدي

    طيب طيب ياأخ سرمد ندعوا لك بالشفاء والعافيه اصبر وصابر وسيزول عنك الهم والمرض انشاء الله قريبا ولم يبقى شيئا انها مسألة وقت لاغير وسنبتهج جميعا بزوال هذا الغم الذي جلبته امريكا وايران وجثم على صدورنا والله انه ورهطه فقاعه سيتبخرون لئنهم اشباه ال

  2. نوال سالم

    استعمل بانتظام يوميا مرة او اكثر ملعقة عسل طبيعي مضاف اليه قليل من مسحوق الدارسين ضعها على قطعة خبز او تذاب في الماء وان شاء الله ستتخلص من الام المعدة وكذلك سينخفض ضغطك وتستطيع ان تحاور هؤلاء الرعاع من الحزب الحاكم دون ان يؤثر ذلك على صحتك , والف سلامة ل

  3. الدكتور احمد الشاطي

    الخروج من هذا البلد المسبب لارتفاع ضغط الدم وداء السكري وامراض القلب هو الحل الناجع لمشكلة كل العراقيين فما ان تخرج الى اي حدود خارج العوراق (اقصد بضم عين العراق وليس كسرها كما كان نوري السعيد يسمي العراق عوراق وليس عيراق) كرهنا بلادنا لانها تهدر كرامة مو

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram