TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > هل من حق مجلس النواب تحديد ولاية رئيس مجلس الوزراء ؟

هل من حق مجلس النواب تحديد ولاية رئيس مجلس الوزراء ؟

نشر في: 28 يناير, 2013: 08:00 م

أثيرت مؤخراً من جهات متعددة مسألة  إمكانية أو عدم إمكانية قبول ولاية ثالثة لرئيس مجلس الوزراء ، فهل يجيز الدستور تولي الشخص نفسه منصب رئيس مجلس الوزراء لأكثر من مرتين ؟حدد الدستور ما يشترط فيمن يتولى منصب رئيس مجلس الوزراء بالإحالة إلى ما يشترط

أثيرت مؤخراً من جهات متعددة مسألة  إمكانية أو عدم إمكانية قبول ولاية ثالثة لرئيس مجلس الوزراء ، فهل يجيز الدستور تولي الشخص نفسه منصب رئيس مجلس الوزراء لأكثر من مرتين ؟
حدد الدستور ما يشترط فيمن يتولى منصب رئيس مجلس الوزراء بالإحالة إلى ما يشترط برئيس الجمهورية ، بموجب البند ( أولاً ) من المادة ( 77 ) من الدستور التي نصت ( يشترط في رئيس مجلس الوزراء ما يشترط في رئيس الجمهورية … ) ، فما هي شروط رئيس الجمهورية ؟

نصت المادة ( 68 ) من الدستور :- ( يشترط في المرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون :- أولاً – عراقيا بالولادة ومن أبوين عراقيين . ثانيا – كامل الأهلية وأتم الأربعين من عمره . ثالثا- ذا سمعة حسنة وخبرة سياسية ومشهودا له بالنزاهة والاستقامة والعدالة والإخلاص للوطن . رابعا-غير محكوم بجريمة مخلة بالشرف . )
فهذه المادة هي النص الذي حدد فيه الدستور شروط ( المرشح لرئاسة الجمهورية )، واوجب توفر أربعة شروط ليس من بينها ما يوحي بالمنع من الترشح لولاية ثالثة . وهذا هو السند القانوني الذي يستند إليه القائلون بجواز ترشح رئيس مجلس الوزراء لولاية ثالثة ، فلا توجد – عندهم – شروط على منصب رئيس مجلس الوزراء غير ما ورد في هذه المادة ، أي أنهم لا يعترفون بأية شروط أخرى ولو وردت في نصوص أخرى في الدستور نفسه .
فأصحاب هذا الرأي يتمسكون بالمعنى الضيق لكلمة ( الشروط ) فيصرون على حصر الشروط في ما ورد في المادة ( 68 ) من الدستور التي تحدثت عن شروط ( المرشح لرئاسة الجمهورية ) باعتبارها هي المقصودة بالشروط المطلوبة فيمن يتولى منصب رئيس مجلس الوزراء ، ويرفضون إضافة أي شرط آخر ولو ورد في الدستور في نص آخر .
إلا أن هذا الرأي محل نظر ، فالبند ( أولاً ) من المادة ( 72 ) من الدستور التي نصت :- ( تحدد ولاية رئيس الجمهورية بأربع سنوات ، ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فحسب ) جاءت بشرط آخر في رئيس الجمهورية هو أن لا يكون قد رأس الجمهورية لمرتين سابقتين . فهذا شرط آخر في رئيس الجمهورية نص عليه الدستور أيضا خارج المادة ( 68 ) المذكورة ، لا يجوز – بموجبه – شغل الشخص نفسه منصب رئيس الجمهورية إلا مرتين اثنتين فقط ، أي لا ولاية ثالثة لرئيس الجمهورية ، وذلك يعني – بداهة – أن لا ولاية ثالثة لرئيس مجلس الوزراء ، ما دام رئيس مجلس الوزراء بنفس شروط رئيس الجمهورية .
إذ لابد من الأخذ بالمعنى الواسع لكلمة ( الشروط ) التي أشارت إليها المادة ( 77 / أولاً ) من الدستور ، فتكون شروط رئيس الجمهورية مطلوبة فيمن يتولى منصب رئيس مجلس الوزراء أينما وردت في الدستور ، ولا يقبل حصر الشروط في ما ورد في المادة ( 68 ) من الدستور فقط ، لأن الأخذ بالمعنى الضيق لها ( أي لكلمة الشروط ) و حصر معناها بما جاء في المادة ( 68 ) فقط تبعيض للدستور ،  أي أخذ بعضه وترك البعض الآخر ، وهو محاولة لتفسير الدستور بطريقة من يأخذون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض .
والحقيقة أن الفلسفة – وراء المنع من تكرار تولي المنصب الرئاسي للشخص نفسه لأكثر من مرتين – تبغي تحقيق غايات كثيرة ، أهمها اثنتان :- الأولى هي الحيلولة دون استيلاء شخص ما على الحكم واستمراره به كدكتاتور مستبد متسلط ، أما الغاية الثانية هي المنع من ترهل أعلى مسؤول تنفيذي في منصبه بما يجعله محاطا بحلقة من المصالح الفاسدة وبحلقة من المنتفعين والانتهازيين، وهذا الفلسفة – في النظام السياسي في العراق اليوم – تنطبق على رئيس مجلس الوزراء أكثر من انطباقها على رئيس الجمهورية ، فالأولى تقيد رئيس مجلس الوزراء بذلك ، لأنه الحاكم الفعلي للبلاد الذي يتصور منه أن ينفرد بالحكم ويستولي عليه ويصادر إرادة الشعب ، فهو الرئيس على الوزراء وعنده مفاتيح السلطة التنفيذية كلها وبيده أموال الدولة ومواردها الأخرى وعقودها ومشاريعها ، وهو القائد العام للقوات المسلحة ، وهذه سلطات خطرة جدا ، إذا ما وضعت في شخص لا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة ولا بمبادئ الديمقراطية ، فإنه من السهل عليه الاستيلاء على السلطة ، ومصادرة الحريات أو شراؤها إذا شاء ، خاصة في عراقنا العزيز الذي يزخر بكم لابأس به من القانونيين المستعدين لتخريج كل ما يريده الحاكم ولو بدمار الشعب والوطن وبخرق الدستور والقانون ومصادرة الحريات والمبادئ مقابل بعض فتات الرواتب والمميزات والمناصب . لذا فإن منع الولاية الثالثة لرئيس مجلس الوزراء- بهذا المعنى – أولى من منع الولاية الثالثة لرئيس الجمهورية .
يضاف إلى ذلك أن المادة ( 68 ) المشار إليها – التي يستند إليها أصحاب الرأي بجواز الولاية الثالثة لرئيس مجلس الوزراء – تحدثت عن شروط ( المرشح لرئاسة الجمهورية ) وليس شروط ( رئيس الجمهورية ) ،إذ قالت :- ( يشترط في المرشح لرئاسة الجمهورية … ) ولم تقل :- ( يشترط في رئيس الجمهورية ). في حين أن المادة ( 77 / أولاً ) اشترطت في رئيس مجلس الوزراء ما يشترط في ( رئيس الجمهورية ) وليس ما يشترط في ( المرشح لرئاسة الجمهورية )، إذ قالت :- ( يشترط في رئيس مجلس الوزراء ما يشترط في رئيس الجمهورية … ) ولم تقل :- ( ما يشترط في المرشح لرئاسة الجمهورية ) ، لذا فإن الشروط الأربعة الواردة في المادة ( 68 ) هي شروط ( المرشح لرئيس الجمهورية ) ، وهي تعد بعض شروط ( رئيس الجمهورية ) وليس كلها ، يضاف إليها- كشروط مطلوبة في رئيس الجمهورية ومن بعده رئيس مجلس الوزراء – ما ورد في نصوص الدستور الأخرى من شروط ، منها عدم الولاية لأكثر من مرتين . فهناك فرق بين شروط ( رئيس الجمهورية ) المطلوبة نفسها في رئيس الوزراء ، وبين شروط ( المرشح لرئيس الجمهورية ) التي نصت عليها المادة ( 68 ) من الدستور .
والنتيجة النهائية فإنه يشترط – وفقا لأحكام الدستور – فيمن يتولى منصب رئيس مجلس الوزراء أن لا يكون قد شغل المنصب لمرتين سابقتين . ولا يجوز أن يتولى الشخص نفسه منصب رئيس الوزراء لأكثر من ولايتين ، أي لا ولاية ثالثة لرئيس مجلس الوزراء .
ولابد أن ننبه هنا إلى أن اخطر ما في تفسير – من قال بولاية ثالثة لرئيس مجلس الوزراء – للدستور هو أن ذلك يعني ولايات غير محددة لرئيس الوزراء ، فلا تقف عند الولاية الثالثة ، بل يصح – بالاستناد إلى رأيهم هذا – أن يأخذ ولاية رابعة وخامسة وسادسة … الخ ، وهذا يقضي فعليا و بشكل نهائي على مبدأ التداول السلمي للسلطة ، لأنه يهيئ الأرضية الصالحة للاستيلاء على الجهة المعنية بإجراء الانتخابات ، ثم تزوير الانتخابات لاحقا لمصلحة ذلك القائد الضرورة الذي لم تنجب الأمهات مثلة ليستمر في الحكم مدى الحياة بولايات لا حد لها .
والأخطر من ذلك ، تمادي أصحاب هذا الرأي إلى حد قولهم :- ( إن مجلس النواب لا يستطيع بسلطته التشريعية تقييد ذلك بقانون – أي لا يستطيع تشريع قانون يقيد ولاية رئيس مجلس الوزراء بولايتين – ما دام الدستور لم يقيد ولايات رئيس مجلس الوزراء بولايتين كما فعل مع منصب رئيس الجمهورية )، وهذا أغرب رأي قانوني سمعته !
إن مجلس النواب بما له من سلطة التشريع يتحرك لتشريع القوانين في كل ما لم ينظمه الدستور ، أي أنه يتحرك في الفضاء الواسع الذي لم يتعرض له الدستور ، بشرط وحيد هو أن لا يخالف أحكام الدستور ، فمجلس النواب يستطيع أن يشرع ما يشاء من القوانين المقيدة أو المنظمة أو المنشئة للحقوق أو السالبة لها ، وليس من قيد عليه سوى أن لا تكون أحكام قوانينه متعارضة مع أحكام الدستور ، وبما أن الدستور لم يقيد ولاية رئيس مجلس الوزراء بولايتين فقط – على حد رأي من قال بذلك – فيمكن لمجلس النواب أن يقيده إذا شاء . وهذه من البديهيات التي لا تحتاج إلى فتوى .
ومع ذلك فإن الدستور قيد – بما لا يقبل الشك – ولاية رئيس مجلس الوزراء بما لا يزيد على اثنتين ، بدلالة تقييده ولاية رئيس الجمهورية ، ولا يحتاج مجلس النواب – من وجهة نظرنا – إلى إصدار تشريع بذلك ، إلا إذا أراد قطع الطريق على الداعين إلى خرق الدستور بحرف تفسيره إلى غير ما تشير إليه أحكامه الصريحة في هذه النقطة .
إلا أن القول الفصل في هذه النقطة – أي في قبول ولاية ثالثة لرئيس مجلس الوزراء – يبقى للمحكمة الاتحادية العليا بما لها من سلطة تفسير الدستور .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. saad alwan

    هل هذا الكلام سوف يتغير في حالة كان قرار المحكمة الاتحادية العليا غير مطابق لما تقوله ورفضت قرار مجلس النواب الاخير بتحديد الولاية لرئيس الوزراء بولايتين فقط؟؟؟؟

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram