TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > باسم يوسف

باسم يوسف

نشر في: 29 يناير, 2013: 08:00 م

السخرية التي تزلزل عروش الاستبداد والظلم هي محور الرسالة التي يقدمها الفنان «باسم يوسف» على شاشة التليفزيون، ولم تتحمل رئاسة الجمهورية التي نالت النصيب الأعظم من التهكم أن يستمر هذا البرنامج الذي يسقط هيبتها بالتدريج وبأسلوبها الساخر العم

السخرية التي تزلزل عروش الاستبداد والظلم هي محور الرسالة التي يقدمها الفنان «باسم يوسف» على شاشة التليفزيون، ولم تتحمل رئاسة الجمهورية التي نالت النصيب الأعظم من التهكم أن يستمر هذا البرنامج الذي يسقط هيبتها بالتدريج وبأسلوبها الساخر العميق الذي يصل الإتقان فيه إلى حد التلقائية يعاونه فن الارتجال، ويستحيل على فن الارتجال أن يتجدد كل مرة إلا إذا كان ينهل من ثقافة عميقة، ومعرفة سياسية واقتصادية ودراسة سيكولوجية يعرف عن طريقها كيف يوجه الصفعات بنعومة وهو ينهل أيضا من اللحظة التي نعيش فيها أن السخرية من الظالمين والانفجار في الضحك على تناقضاتهم يؤدي إلى إسقاط الخوف منهم وهو لا يضع الأشخاص فقط موضع النقد ويجردهم من الهيبة الزائفة والمخيفة، وإنما يعري أيضا الإطار السياسي والاجتماعي والتاريخي لوضع ما.

وتنهض هذه السخرية العميقة المتجددة على تراث عريق من الشعر والمسرح وفنون الأراجيز والفرق الشعبية الجوالة وفن الكاريكاتير الذي سطع في عهود الظلام والقمع كأداة جبارة طالما لاذت بها الشعوب وصبت فيها غضبها على الظالمين وهي تناضل من أجل إسقاط عروشهم.

وكم من الشعراء والمسرحيين الساخرين في تاريخنا الذين تعرضوا للعقاب فكان أن نفى الملك «فؤاد» الشاعر العبقري بيرم التونسي، وصادر الخديوي إسماعيل مسرح يعقوب صنوع وأغلقه، وفي ظل الحكم الناصري والساداتي تعرض الشاعر أحمد فؤاد نجم والمفتي الضرير الشيخ إمام عيسى للملاحقة والسجن ضمن عدد لا يحصى من الكتاب والمناضلين السياسيين ،وها هو «باسم يوسف» واقع في مرمى نيران رئاسة الجمهورية التي تلاحق الصحفيين والإعلاميين بعشرات الدعاوى القضائية ويخبرنا تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بتفاصيل مخجلة عن ممارسات المكارثية ضد الكتاب والفنانين الذين لاحقتهم لجنة السيناتور مكارثي لمتابعة النشاط المعادي للولايات المتحدة الأمريكية وكان من بين ضحاياها الفنان العالمي الساخر «شارلي شابلن» ضمن المئات من فناني المسرح والسينما كتابا ومخرجين وممثلين وجهت لهم تهمة الشيوعية والانخراط في النشاط المعادي لأمريكا.

وعرفت أوروبا بدورها الممارسات النازية والفاشية ضد الكتاب والفنانين والمفكرين الذين جري حبسهم وتعذيبهم وإحراق كتبهم وتشريدهم أو قتلهم، وعرفت أوروبا في تلك موجة هائلة من فنون وآداب المقاومة شعرا وقصة ورواية ومسرحاً، وأخذ الفنانون والكتاب يبتدعون ويبتكرون الرموز وكأن شفرة سرية أخذت تسري بينهم وبين جمهورهم الذي دفع ثمن حريته دماء وآلاما ،وفي هذا الواقع الكئيب لعبت السخرية دورا محوريا في تعرية النظم المشوهة المعادية للإنسانية، سواء النازية أو الفاشية واستطاع هذا الإنتاج الفني والأدبي أن يشرع النوافذ علي المستقبل، وهو يعزز القوة المعنوية للمناضلين والجماهير العريضة حتى لا يسحق الظلم روحها أو يجردها من إنسانيتها، بل إن هذا الإنتاج الأدبي والفني المقاوم تحول إلى أداة جبارة للمقاومين الذين قاموا بتهريب الكتب مع تهريب السلاح، بل وعرفت السجون في ذلك الزمن الوحشي إنتاجا رائعا للمواد الأدبية شعرا ونثرا، وانطلقت قريحة المواطنين المبدعين فألفت آلاف النكات التي جرى تداولها سرا وهي تتهكم على الفاشية والنازية وتسقط هيبتها المفتعلة والمفروضة بقوة القهر والأفكار العنصرية المعادية لكل القيم النبيلة التي أنتجتها الإنسانية عبر كفاحها الطويل من أجل إنسانيتها وقام أشهر زوجين مسرحيين ساخرين في عصرنا وأيامنا هذه وهما «داريوفو» و«فرانكارامي» بتوظيف مسرحهما وكتابة عروضهما الساخرة بهدف الوصول لأوسع جماهير في ارتباط بالحياة السياسية وتقلباتها.. وفي إيطاليا التي سبق أن تحررت من الفاشية بقي استغلال الكادحين قائما في ظل النظام الرأسمالي وسياسات الليبرالية الجديدة، وبرزت الأدوار التي لعبتها الكنيسة في الدفاع عن الاستغلال وتسويقه باسم الدين.

وبرع الزوجان الفنانان في تطوير فن الكوميديا دي لارتي أو الارتجال فأخذا يحولان المسارح إلى تجمعات جماهيرية واسعة في أوروبا كلها تحاكم بالسخرية نظم الاستغلال التي تختفي وراء الديمقراطية البورجوازية خاصة حين يكون اليمين في السلطة، وتستدعي بالتهكم حاسة السخرية في الجمهور.

من كل هذا التراث الهائل وطنيا وعالميا ينهل الفنان «باسم يوسف» وفريقه، فهم لا يضحكوننا فقط بل يستثيرون أيضا هذا الحس الفكاهي العميق لدي المصريين الذين برعوا في إطلاق النكات على حكامهم الظالمين والجهلة.

ويحظى برنامج «باسم يوسف» كما يحظى برنامج «هاني رمزي» التهكمي بدوره بنسبة مشاهدة عالية كما تقول التقارير، وهو ما يفسر لنا فزع رئاسة الجمهورية من «باسم يوسف» على نحو خاص، والذي سوف يحتمي من البطش بتلك القاعدة العريضة التي تتلقى رسالته بامتنان كل أسبوع وهي تطلق الضحكات من القلب وينير الضحك لها سبل الوعي الناقد لما نحن فيه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram