TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قصة مجرم محكوم عليه بالعراقية

قصة مجرم محكوم عليه بالعراقية

نشر في: 30 يناير, 2013: 08:00 م

الوعي البشري انتقائي بطبعه، لأنه لا يستطيع التركيز على كل الأشياء المحيطة به، فيختار ما يثيره منها، كالتي يحبها أو يؤمن بها أو يحتاجها. ولذلك، وبسبب إيماني بالحتمية وكرهي لها، أريد أن أروي لكم هذه المأساة، كعلامة على جرائم الحتمية:

خلال ذهابي، قبل يومين، إلى مستشفى بغداد التعليمي بصحبة والدي الذي يأخذ، بشكل دوري، جرعات من الدم. التقيت بأحد أقربائي، وسألته عن سبب تواجده في المستشفى، وأثار انتباهي أنه يحرس سجيناً مصاباً بسرطان الدم. وقصة هذا السجين أنه؛ شاب من مواليد محافظة الديوانية، 1990، متهم بمحاولة سرقة محل تجاري، ومحكوم عليه بالسجن لـ(15) سنة، أصيب باللوكيميا في السجن، ولأن التشخيص بطيء هناك، والاجراءات الإدارية هائلة، لم يحصل على حقه بالعناية الطبية إلا بعد أن استفحل المرض بجسده النحيل. لحد الآن القصة طبيعية وخالية من المأساة، لكن المشكلة أن أهل الشاب فقراء إلى درجة لا يملكون معها أجرة السفر إلى بغداد لزيارته، فضلاً عن العناية به، ومعروف أن سرطان الدم يحتاج إلى عناية صحية مركزة وإجراءات نظافة مصحوبة بحمية غذائية مبالغ بها، فمناعة المريض تكون عرضة للانخفاض الشديد، ما يجعله عرضة للموت بسبب أي مرض بسيط.

على هذا الأساس لم يحصل هذا الشاب على ترف زيارة أهله، إلا مرتين وعن طريق حملة جمع تبرعات قام بها الشرطة المسؤولون عن حراسته.. لحد الآن القصة ليست مأساوية بالنسبة لي؛ لأنني عراقي لا تثيرني إلا الكوارث، لكن الحزن هز قلبي عندما أكد لي قريبي بأن فرص نجاة المريض اصبحت معدومة. وبأنه اتصل بوالده ليخبره بالخبر ويطلب منه زيارة ابنه قبل موته، لكنه بكى بشدة وأخبره بأنه لا يستطيع تأمين أجور النقل، ثم أقسم له، باكياً، أن ابنه مظلوم، وأن التهمة ملفقة له من قبل شاب ينافسه على حب فتاة في المنطقة!.

يا إلهي، صرخت بيني وبين نفسي: كيف يمكن أن تشتبك خيوط المأساة لهذه الدرجة، شاب في بداية عمره، يتورط بالسجن، ثم يصاب بمرض خبيث، ومع ذلك لا يستحق ترف الموت بين أهله وتحت رعايتهم ومواساتهم والسبب هو فقرهم المدقع، مع أنهم مواطنو بلد بترولي!!

أخيراً اضطررت إلى الانصراف للعناية بوالدي الشيخ وأنا بالكاد اتمكن من حبس دموعي، وألعن جرائم الحتمية، وأتساءل: على أي أساس اضطر هذا الشاب إلى مواجهة هذا المصير بدل مصير آخر يكون أكثر ترفاً وسعادة؟ ولا تقولوا لي بأنه مجرم ويستحق هذا المصير، لأنني لن اكتفي بإخباركم، أن الأقدار التي حرمته من أن يكون مواطناً امريكيا او بريطانياً أو حتى خليجياً، تعسفت بحقه، فعلى الأقل سيحظى هناك بحقوق إنسانية تليق بالبشر المجرمين، بل سأقول لكم أيضاً: لو كان ابناً لأحد الفاسدين المترفين ـ الذين سلبوه حقوقه بسبب دونيتهم ـ لما اضطر لمواجهة مصير السجن ومصير المرض ومصير الحرمان من رعاية الأهل في آن واحد. فكل هذه المصائر اجتمعت عليه دفعة واحدة بسبب نزوله من رحم أمه وسط عائلة فقيرة جداً تعيش في بلد لم يوفر الترف لمواطنيه طوال تاريخه المر.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. فراس فاضل

    مو مشكله ياضمد --المهم الله يطول بعمر المالكى والنجيفى والشهرستانى --مو مشكله اللى يموت اخى مازال الحراميه الكبار يخمطون زين--تمنيت ان يكون هذا الشاب هنا فى السويد لكان الاطباء والاختصاصين يزورونه فى البيت للاطمئنان على صحته كما فعلوا مع والدتى --لكم تحي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram