TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل نخاف يا ابو غريب؟

هل نخاف يا ابو غريب؟

نشر في: 30 يناير, 2013: 08:00 م

يسألني الناس كل يوم ويسألون غيري ايضا: الا تخشون من رفع اصواتكم اعتراضا على السلطان؟ انه سؤال محير، كسؤال من يقول لك: لماذا تعود الى عراق مليء بالحزن حين يتاح لك ان تسافر وتبقى في بلدان الاستقرار والرفاه. ولكي نختبر خوف هذه الايام بعمق، علينا ان نعود الى خوف تلك الايام القديمة.

اعقد انواع الخوف المبكر التي عرفتها كانت عند زيارتي مع العائلة سجن ابو غريب. انا الصبي ذاهب لمواجهة الخال او العم او القريب المحكوم بالمؤبد في "الاحكام الخاصة" او "الثقيلة" على خلفية اتهام بنشاط مناوئ لصدام حسين.

احمل حصتي من "الهدايا" وهي في الغالب بعض الطعام المنزلي، الذي نحمله لسجيننا، وانحشر في ممر ضيق وطويل مصنوع من الحديد، يربط بوابة السجن الخارجية بقاعات الاعتقال او باحات المعتقل حيث يلتقي فيها السجين بعائلته مرة كل اسبوعين.

ينحشر كل الرجال والصبيان في ممر حديدي، وتنحشر كل النساء والفتيات في ممر حديدي او قفص كبير طولي مواز. اعداد السجناء داخل السجن كبيرة، واعداد القادمين لرؤية ذويهم اكبر. ويختلط خوف السجان من زخم الزائرين برغبته في تعذيبهم، فيجعله يدخلهم عبر القفص هذا ببطء شديد. قطع الكيلومتر هذا مشيا على الاقدام يستغرق ساعتين احيانا، لان حشد البشر عالق لا يتحرك. الالاف محجوزون داخل القفص ولا يخرج منهم نحو باحات الزيارة سوى بضع عشرات كل ربع ساعة.

الدشاديش العربية تلتصق بالشراويل الكردية والجميع قادم لرؤية ابنائهم المعتقلين. ارمق من قفص الرجال عجوزا عربية تحمل على رأسها قنينة الغاز كي تتيح لولدها السجين ان يتناول الطعام ساخنا. وخلفها داخل الحشد المرصوص في القفص، عجوز كردية تحمل امتعة وطعاما وتكاد تختنق من زحام القفص الضيق والجميع يحترق بشمس الصيف العراقية، بينما جلاوزة سلطان تلك الايام يتفرجون على حفلة السخرية هذه.

في تلك اللحظة كل معارضي السلطان مسجونون، داخل عنابر السجن او داخل القفص الذي اصابني انا الفتى بأعقد انواع الخوف. ماذا يعني ان يكون رجل واحد كصدام حسين قادرا على اعلان العراق جزيرة معزولة والتلاعب بمصير الشعب والتشفي به بكل انواع السادية؟ هل هناك شعور بالخوف اكثر من ان ترى نفسك في جزيرة معزولة عن العالم وينفرد بك الجلاد ليسخر منك في حفلات تعذيب متنوعة؟

لا ادري كم طفلا في العالم اتيح له ان يجرب كآلاف الاطفال العراقيين المرور منحشرا عبر هذا القفص الحديدي المذل والمخزي. لكن ما ادريه هو ان الممر الحديدي هذا كان رمزا ابشع من السجن. امر مؤلم يظل مستعادا في الذاكرة كلما ظهر صدام حسين على شاشة التلفاز في تلك الايام وراح يتحدث عن العناية الالهية التي اختارته كمدافع عن الامة يذود عن حماها قرب قفص حديدي تحتجز داخله عوائل قادمة من كل العراق لرؤية ابنائها في سجن ابي غريب!

لقد كان علينا ان نجرب انواع الخوف في ظل الاستبداد الدموي ذاك. وانواع الاذلال ايضا.

وماذا بعد؟ لقد وجدنا ان علينا ان نجرب ألوان خوف اخرى في حقبة ما بعد صدام حسين. خوف المفخخات، والموت المؤلم والاغتيالات والطرد والسجن. وخوف التسقيط السياسي وتوجيه الاتهامات الباطلة. وان نجرب كذلك ألوان الاذلال حين يمارس علينا السلطان تسلطه خارج العرف والقانون ويتلاعب بالحقيقة والعدالة ويطالبنا بالصمت، وقد يلجأ الى تخويف بعضنا وتهديده وترويعه كي يصمت كالجبان ويستسلم لشهوات فريق سياسي وعسكري فاشل وغرقان بمياه الامطار وصفقات الفساد ونقص الحكمة وخلق عداوات تهدد بتمزيقنا وهدم المعبد على رؤوسنا.

اننا بشر نشعر بالخوف مثل غيرنا. لسنا شجعانا ولا صناديد كما يشاع، لكن خوفنا من العودة الى ذلك القفص الحديدي خلف بوابات ابو غريب داخل جزيرة السلطان المعزولة.. يظل ابشع من خوفنا ان نتعرض لغضب هذا المسؤول النافذ او ذاك المتنطع الذي دخل السياسة بلا اي مؤهلات سوى قدرته على صناعة الشر وبثه.

ان الخوف تجربة لا تنتهي بالصمت او الموت او السجن. الخوف سيظل يلازمنا سواء رفعنا الاصوات ام سكتنا. فالصامت الحذر خائف ايضا، طالما كان ناقصو الحكمة والتدبير يحاولون تلبية شهوات استبدادهم وتحويلنا الى مشروع استعباد والتحكم بمصائرنا واحلامنا.

اننا لا نخشى شيئا اكثر من خشيتنا ان يظل المتخلفون يتحكمون بمصائر هذه البلاد، التي كانت يوما ما لا تخشى الذهاب في عربات الثورة او الموت، حتى لو توهم بعض السلاطين ان في وسعه تضليل الشعب واغراءه بالصمت ونسيان اسباب الاحتجاج والاعتراض بثمن البقاء على قيد حياة هي الموت بعينه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 3

  1. ضياء

    تسلم دائما

  2. سلام

    الخوف هو منبر الامل لتحطيم منابر السلطان

  3. الموج الهادر

    الاستاذ العزيز سرمد المحترم .. قد اسمعت اذ ناديت حياً لكن لا حياة لمن تنادي واسمحلي ان اقتبس منك القليل (( اننا لا نخشى شيئا اكثر من خشيتنا ان يظل المتخلفون يتحكمون بمصائر هذه البلاد، التي كانت يوما ما لا تخشى الذهاب في عربات الثورة او الموت، حتى لو توهم

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram