TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > 40 % من الشعب المصري تحت خط الفقر..و17 % عاطلون عن العمل!!

40 % من الشعب المصري تحت خط الفقر..و17 % عاطلون عن العمل!!

نشر في: 13 فبراير, 2013: 08:00 م

لا يخلو برنامج لأي حزب في مصر من حديث عن " العدالة الاجتماعية " لا فرق في ذلك بين أحزاب اشتراكية أو شيوعية أو ليبرالية أو قومية أو حتى تنتمي لتيار الإسلام السياسي، وإن اقتصرت في برامج بعض الأحزاب على مجرد شعار بينما في برامج أحزاب أخرى تتحول إلى نقاط

لا يخلو برنامج لأي حزب في مصر من حديث عن " العدالة الاجتماعية " لا فرق في ذلك بين أحزاب اشتراكية أو شيوعية أو ليبرالية أو قومية أو حتى تنتمي لتيار الإسلام السياسي، وإن اقتصرت في برامج بعض الأحزاب على مجرد شعار بينما في برامج أحزاب أخرى تتحول إلى نقاط برنامجية قابلة للتنفيذ في حال وصول هذه الأحزاب للسلطة. كما يختلف مفهوم " العدالة الاجتماعية " من حزب إلى آخر.
ويعرف بعض الباحثين العدالة الاجتماعية بأنها " نظام اقتصادي يهدف إلى إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع".
ويعرفها حزب الخضر الكندي بأنها " التوزيع المتساوي للموارد لضمان أن الجميع لديهم فرص متكافئة للتطور الاجتماعي والشخصي ".
ويؤكد إعلان منظمة العمل الدولية بشأن العدالة الاجتماعية " من أجل عولمة بديلة " الصادر في 10 يونيو 2008 على عدد من النقاط لضمان العدالة الاجتماعية تشمل:
- تأكيد أن العمل ليس بسلعة وأن الفقر حيثما كان يشكل خطراً على الازدهار في كل مكان.
- ضرورة اعتماد برامج من شأنها تحقيق العمالة الكاملة ورفع مستويات المعيشة وأجر يضمن حدا أدنى من مستوى المعيشة وتوسيع نطاق إجراءات الضمان الاجتماعي لتوفير دخل أساسي لجميع المحتاجين.
- أن تتسم المنشآت المنتجة والمربحة والمستدامة، إلى جانب اقتصاد اجتماعي قوي وقطاع مستدام، بأنها أساسية لاستدامة التنمية الاقتصادية وفرص العمالة.
- تعزيز العمالة من خلال خلق بيئة مؤسسية واقتصادية مستدامة.

- وضع وتعزيز تدابير للحماية الاجتماعية - الضمان الاجتماعي وحماية اليد العاملة - تكون مستدامة ومتكيفة مع الظروف الوطنية ، بما فيها توسيع الضمان الاجتماعي ليشمل الجميع ، بما في ذلك التدابير الرامية إلى توفير دخل أساسي لجميع من يحتاجون لهذه الحماية ، وتكييف نطاقه وتغطيته لتلبية الاحتياجات الجديدة .. وتوفير ظروف عمل صحية وآمنة ، وسياسات أجور ومكاسب وساعات عمل وغير ذلك من ظروف عمل تمكن الجميع من الحصول على قسط عادل من ثمار التقدم ، وتوفير أجر يضمن حداً أدنى من مستوى المعيشة لجميع المستخدمين والمحتاجين إلى مثل هذه الحماية .

- تعزيز الحوار الاجتماعي .

- ترجمة التنمية الاقتصادية إلى تقدم اجتماعي ، والتقدم الاجتماعي إلى تنمية اقتصادية .
ويرى عمرو حمزاوي أن مفهوم العدالة الاجتماعية في الفكر الليبرالي يقوم على الحقوق المتساوية لكل المواطنين عبر ثلاثة مبادئ أساسية هي : الحرية - تكافؤ الفرص - سيادة القانون ، في ظل مجتمع ديمقراطي تعددي ، وينحصر دور الدولة في العمل كمنظم لاقتصاد السوق في إطار الحريات الاقتصادية ومن خلال فرض تشريعات وقوانين تحمي السوق من الاختلالات والهيمنة والاحتكار ، وانضباط الدولة في إدارة المنشآت الحيوية ( كقناة السويس والبترول في بلد مثل مصر ) إضافة إلى أن العدالة الاجتماعية في الفكر الليبرالي تشمل ضمانات عدالة التوزيع بفرض الضرائب التصاعدية والعقارية التي يتم استغلالها طبقا لأدوات عدالة التوزيع المتمثلة في تقديم شبكات خدمية، كالتأمينات والرعاية الصحية والتعليم . أما تكافؤ الفرص فهو أحد أهم المبادئ والسبل التي لابد أن تنتهجها الدولة في ظل الليبرالية في ضبطها للسوق ، أو في دخولها كمشارك مع بقية المستثمرين لتنظيم مبدأ التكافؤ . والمبدأ الثالث هو ضمان النزاهة في كل من الحرية الاقتصادية وتكافؤ الفرص ، ولابد أن يشرع له قوانين سيتم اعتبارها نقطة انطلاق متساوية لكل المشاركين بالسوق دون تقديم تسهيلات لأحد دون الآخر ، وفتح الأسواق للمستثمرين في وجود الدولة .
وتحدث " مجدي سعد " الناشط السياسي الإسلامي عن رؤية التيار الإسلامي للعدالة الاجتماعية ، فقال إن العدالة الاجتماعية عند تيار الإسلام السياسي هي جزء من المصالح المنزلة في الشريعة الإسلامية . فالتشريع الإسلامي طرح فكرة المساواة والسواسية بين البشر ، ومارس الإسلام بالفعل العدالة الاجتماعية بتحريمه الاحتكار ، كما أوصى بإعطاء الأجير حقه قبل أن يجف عرقه ، وأن دولة الإسلام تدخل ضمن أهدافها الفئات الضعيفة والنساء وهم مقصد تطبيق العدالة ، وأن تحقيق العدالة الاجتماعية يتم عن طريق فرض الضرائب على الأغنياء وذلك في صورة الزكاة (5ر2%) وأحقية الدولة في نزع ممتلكات الأشخاص في حالة حيادهم عن الهدف الرئيسي الذي أقرته الشريعة وهو إعمار الأرض . كما تتحقق العدالة الاجتماعية بتدخل الدولة في تبني مشروعات لبرامج مباشرة تخدم الفئات الأكثر تضرراً من ناحية ، ومن ناحية أخرى تعود الدولة لدورها الاقتصادي في توفير الاحتياجات الأساسية ومكافحة الفساد والقضاء على الرشوة والسرقات ، كما على الدولة أن تتدخل في الرعاية الصحية وتعيد هيكلة المخصصات بما في ذلك الدعم وإصلاح هيكل الأجور وربط ذلك بمعدلات الإنتاج والأرباح . كذلك من المهم إعادة نموذج " الوقف " كما يحدث في تركيا ، والذي عليه يتم توزيع نسبة من ممتلكات الأغنياء على الفقراء .
بينما يرى الفكر الاشتراكي أن تحقيق " العدالة الاجتماعية " يتطلب إقامة المجتمع الاشتراكي ، وهو " المجتمع " الذي تتم فيه تصفية استغلال الإنسان للإنسان ، وهذا أمر مرتبط باستبعاد نمط الإنتاج الرأسمالي ، وبتعديل نظام إدارة الإنتاج والتوزيع علي النحو  الآتي :
أ- يستغل المجتمع الاشتراكي موارده بهدف إشباع الحاجات الإنسانية ، لا بهدف تحقيق أقصى ربح كما في الرأسمالية .
ب - يعتمد المجتمع على آلية التخطيط في توزيع الموارد على الاستعمالات المختلفة بكفاءة ورشادة ، لا على آلية السوق التي تؤدي إلى كثير من الهدر وفوضى الإنتاج في الرأسمالية .
ج - يتحول النمط السائد لملكية وسائل الإنتاج من الملكية الخاصة إلى الملكية الجماعية أو المجتمعية .
د - يوزع ناتج عمل المجتمع حسب مبدأ "  كل حسب قدرته وكل حسب حاجته " .
ويري الاشتراكيون أيضاً أن تحقيق المجتمع الاشتراكي لا يتم بالفرض على المواطنين في أي بلد أو بقفزة واحدة ، بل لابد من فترة انتقالية يطلق عليها " التنمية الوطنية المستقلة المعتمدة على الذات " . وخلال هذه الفترة يمكن تحقيق قدر من " العدالة الاجتماعية "
فالدولة في مرحلة التنمية الوطنية المستقلة مطالبة بالقيام بدور فعال وأساسي في التنمية يتجاوز مجرد تحديد الإطار القانوني للعمل الاقتصادي ووضع السياسات العامة والاستثمار في بناء المرافق العامة وبناء القاعدة الأساسية .
يقول د.إبراهيم سعد الدين " إن الدولة سيكون عليها إضافة إلى ذلك القيام باستثمارات مباشرة في المجالات التي تنأى الرأسمالية عن الاستثمار فيها . ويشمل الدور التنموي للدولة القيام بالوظائف التالية بشكل خاص .
- تحقيق تنمية بشرية عن طريق الحفاظ على صحة الإنسان ، وتوفير شروط تعليمية وتدريبية وتطوير مهاراته وقدراته الإنتاجية .
- بناء قاعدة علمية وتكنولوجية قادرة على المشاركة في التطور العلمي والتكنولوجي الجاري في العالم والاستفادة منه على أساس من الأخذ والعطاء في نفس الوقت .
- القيام بدور أساسي في تنمية المدخرات القومية وزيادة حجم الادخار القومي والتشجيع على الاستثمار في رأس المال الثابت كبديل عن السعي للربح عن طريق المضاربة وعن طريق التوظيف المالي للمدخرات .
- قيام الدولة  بدور فعال في توجيه الاستثمارات إلى الصناعات المتقدمة تكنولوجيا والتي تملك إمكانات للنمو ولعب دور أساسي في تحديث المجتمع ، وقيام الدولة بدور مباشر في الاستثمار في الصناعات الجديدة والكبيرة الحجم التي تنأى الرأسمالية المحلية عن الاستثمار فيها .
- قيام الدولة بدور فعال في توفير القاعدة التحتية المادية والمعنوية الضرورية لتنشيط الإنتاج وزيادة الإنتاجية .
- قيام الدولة بدور أساسي في توفير البيانات والمعلومات اللازمة للتخطيط على المستوى القومي وعلى مستوى المشروعات .
- قيام الدولة بوضع السياسات اللازمة لإخراج مصر من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية ووضع هذه السياسات موضع التنفيذ .
- قيام الدولة بدور فعال في إعادة توزيع الدخل وفي توفير الخدمات الأساسية لمختلف فئات الشعب .
- القيام بدور فعال في توجيه النشاط الزراعي والصناعي وفي تنمية الصادرات وتحقيق توازن حقيقي في الميزان التجاري وميزان المدفوعات .
إن قيام الدولة بدور فعال في التنمية في الإطار الرأسمالي ، يمكن أن يؤدي بالفعل إلى تحقيق معدلات عالية للنمو الاقتصادي . كما حدث في أكثر من مكان في الدول الصناعية الحديثة في أمريكا اللاتينية أو في شرق آسيا ، على أن هذا النمو كما تبرز الأمثلة التاريخية كثيرا ما يصاحب بعدد من الآثار السلبية التي تؤدي إلى زيادة حدة التوتر الاجتماعي وإلى زيادة حدة الصراعات الطبقية داخل هذه المجتمعات .
وللأسف، فالواقع الاقتصادي والاجتماعي في مصر لم يصل حتى إلى مستوى التنمية الوطنية المستقلة .
لقد أفرزت السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي طبقها نظام الحكم بدءاً من عام 1974 تحت اسم الانفتاح في ظل الرئيس الأسبق أنور السادات وتواصلت في ظل خليفته " محمد حسني مبارك " تحت أسماء مختلفة ،مثل " الانفتاح الإنتاجي " و" الصحوة الكبرى " و" الإصلاح الاقتصادي " ، التي تتبنى روشتة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية المعروفة باسم " التثبيت والتكيف الهيكلي " ، وتقوم على انسحاب الدولة من الاستثمار والتنمية وتوفير الخدمات الأساسية والرهان على الرأسمالية المحلية والأجنبية .. أفرزت نتائج كارثية على عملية التنمية والعدالة الاجتماعية ، في ظل ضعف الرأسمالية المحلية واتجاه القطاع الأغلب فيها إلى عمليات السمسرة والمضاربة والعمل كوكلاء للرأسمالية الأجنبية وفي الصناعات الاستهلاكية والثانوية بحثاً عن الربح السريع .
واستمرت هذه السياسات الفاشلة - والتي كانت نتائجها أحد أبرز أسباب ثورة 25 يناير 2011 - بعد الثورة وفي ظل حكم الرئيس محمد مرسي وحكومته وجماعته وحزبه ، التزاما ببرنامج جماعة الإخوان ( سبتمبر 2007 ) الذي نص في الباب الرابع الخاص بالاقتصاد والتنمية المستدامة ، على أن برنامج الحزب يستمد " مرجعيته مباشرة وأساساً من فلسفة وعناصر النظام الاقتصادي الإسلامي .. ويتم النشاط الاقتصادي وفقاً لهذا النظام من خلال السوق الإسلامية .. ومن خلال قوى العرض والطلب .. وفي ظل ملكية متعددة تشمل الملكية العامة ، وملكية القطاع العام والملكية الخاصة . والملكية الخاصة جوهر موضوع الملكية في الإسلام .. ويعتبر القطاع الخاص هو القاطرة التي تقود التنمية في ظل اقتصاد السوق .. وتتطلب ستراتيجية التنمية للاقتصاد المصري أن تحتل مكان الصدارة " . وعندما يتعرض البرنامج لمشكلة الفقر يقترح خطوات تنفيذية تقوم أساسا على أعمال الخير والإحسان " فأموال الصدقات والزكاة بأنواعها المختلفة لتمويل مختلف الأنشطة التي تدعم برنامج الرعاية الاجتماعية ".
وإضافة إلى الالتزام بنفس السياسات المتبعة في ظل الحزب الوطني والملتزمة بتعليمات صندوق النقد والبنك الدوليين وهيئة المعونة الأمريكية ، يضيف برنامج الإخوان اعتبار فائدة البنوك ربا ، ويطالب بإلغاء العمل بنظام الفائدة في إدارة الأصول والأرباح كما يطالب بإلزام السياح الأجانب بضرورة تعرفهم على " ضوابط الشريعة الإسلامية قبل أن تطأ أقدامهم أرض مصر واحترام عادات وتقاليد المجتمع " واتساقا مع انحيازهم للقطاع الخاص يؤيدون " الخصخصة " بشكل مبدئي وجوهري ويختلفون مع الحزب الوطني في الطريقة والأسلوب .
ونتيجة لاستمرار هذه السياسات فمصر تواجه اليوم مجموعة من المشاكل والقضايا الجوهرية الاقتصادية والاجتماعية ، تباعد بينها وبين تحقيق أي قدر من العدالة الاجتماعية . ويأتي في مقدمة هذه المشاكل  :
أولا : قضية الفقر
فطبقاً لتقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان " مصر بين توغل الفقر وسراب التنمية " فإن نحو 40% من الشعب المصري يعيشون تحت خط الفقر ، منهم 19% تحت خط الفقر المدقع .. وقاد الفقر إلى تدهور الأوضاع الصحية في مصر ، فوفقاً لتقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة " الفاو " الصادر عام 2009 ، هناك ما يقرب من نصف الأسر المصرية تعاني سوء التغذية نتيجة لتدني مستوى الدخل لدى هذه الأسر ، ويقول تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري ، مشيراً للتأثيرات الاجتماعية الواسعة للفقر ، إن إجمالي عدد المناطق العشوائية في مصر يبلغ 1171 منطقة عشوائية يسكنها نحو 8ر14 مليون نسمة ، بما يصاحب ذلك من انعدام المرافق والخدمات الأساسية من مياه وصرف صحي وكهرباء وخدمات صحية . ويفيد تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2009 أن معدلات الفقر في مصر تبلغ 41% من إجمالي عدد السكان ، بينما تتراوح معدلات الفقر العام في المنطقة العربية بين 6ر28% في لبنان و30% في سوريا في الحد الأدنى ، ونحو 9ر59% في حدها الأعلى على اليمن ، وبهذه النسبة (41%) تحتل مصر المرتبة الثانية عربياً في ارتفاع معدلات الفقر بعد اليمن !
ثانيا : البطالة
فطبقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء قدر حجم البطالة عام 1960 بنسبة 5ر2% من إجمالي حجم القوى العاملة وقفز في تعداد عام 1976 إلى 7ر7% ثم إلى 7ر14% في تعداد 1986 ، ثم تنخفض إلى 1ر9% عام 2002 . وتلك الأرقام الرسمية تتعلق فقط بالبطالة السافرة ، فهي لا تشمل البطالة الموسمية ، أو الذين يعملون في حرف وقطاعات هامشية لا استمرار فيها ، بينما تقدر دراسات علمية حجم ونسبة البطالة الحقيقية في مصر اعتماداً على أرقام وبيانات أعلنتها اللجنة العليا للتشغيل برئاسة مجلس الوزراء بما يقرب من ضعف البيانات الرسمية ، فعدد العاطلين طبقاً لهذه الدراسات يتراوح بين 5ر2 مليون و436ر3 مليون عاطل بنسبة ما بين 17% و20% من حجم قوة العمل. ويشكل المتعلمون بين العاطلين الأغلبية بنسبة تصل إلى نحو 3ر87% من عدد المتعطلين.
ويزداد الأمر خطورة إذا علمنا أن النسبة الأكبر من العاطلين عن العمل هم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و40 سنة ،وأن الغالبية العظمى من العاطلين خريجو الجامعات والمدارس الثانوية ، بما يعني إهدار مليارات الجنيهات التي استثمرت ( أنفقت ) في تعليمهم دون أن يكون لهذا الإنفاق عائد يتمثل في تشغيل هذه الطاقات البشرية لتصبح قوة عمل منتجة .
والبطالة بشكل عام هي أحد مسببات ظواهر العنف الغريبة التي تحدث في المجتمع في السنوات الأخيرة .
وكما يقول البرنامج العام لحزب التجمع " إن استمرار معدلات مرتفعة للبطالة يعني في الواقع تكريس التفاوت الاجتماعي وزيادة حدة التمايز في الدخول بين فئات المجتمع وانقسام المجتمع المصري إلى مجتمعين منفصلين  :
ثالثاً : مأساة الأجور في مصر
شهدت مصر منذ ديسمبر 2006 وحتي نهاية ديسمبر 2007 وبدايات 2008 سلسلة من الاحتجاجات في عديد من مواقع الإنتاج والعمل ، غلب عليها الإضرابات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية العمالية أساساً ، وبلغت ذروتها بإضراب " موظفي " الضرائب العقارية معلناً تحرك " الموظفين " لأول مرة منذ إضرابهم في ثورة 1919 ضد الاحتلال والحماية البريطانية في مصر ومن أجل الدستور .
فبينما سجلت الإحصاءات عام 2005 أكثر من 93 احتجاجاً عمالياً ( 40 تجمهرا - 22 إضرابا عن العمل - 20 اعتصاما- 11 مظاهرة ) ، وشهدت عام 2006 أكثر من 89 احتجاجاً (43 اعتصاما - 32 إضرابا - 14 مظاهرة ) .. شهد النصف الأول عام 2007 وقوع 368 حالة احتجاج ، سواء في الحكومة أو قطاعي الأعمال العام والخاص ، من بينهم 126 تجمهراً ووقفة احتجاجية و109 إضرابا عن العمل و100 اعتصام و33 مظاهرة سلمية . وكانت الاحتجاجات في قطاع الهيئات الحكومية هي الأعلي يليها القطاع الخاص فالقطاع العام .
ورغم تنوع وتعدد الأسباب وراء هذه الاحتجاجات ، فقد كانت قضية تدني الأجور والمرتبات وتوابعها مثل البدلات والحوافز والأرباح والأجر الإضافي والعلاوة هي العنصر المشترك في كل هذه الاحتجاجات . فالأجور في مصر قضية بالغة الخصوصية والحدة ، تفتقد لأي معايير موضوعية ويتم تحديدها علي أسس شاذة بعيدة عما يعرفه العالم ." ويتم تحديد الأجور عادة علي أساس اعتبارين إحداهما اقتصادي والآخر اجتماعي ، حيث يدخل الأجر ضمن عناصر الانتاج وبالتالي فإن حجمه يؤثر علي تكلفة الانتاج علي رب العمل ، وفي المقابل يجب أن يوفر الحد الأدني للأجر الحياة الكريمة للعامل والموظف وينتج له المأكل والملبس والسكن والتعليم والعلاج "فبينما تتساوي الأسعار في مصر مع الأسعار العالمية ، فإن الأجور هي الأدني بين الدول المجاورة والقريبة" .
لقد صدر قانون العمل الحالي عام 2003 ونص علي إنشاء مجلس قومي للأجور برئاسة وزير التخطيط يختص بوضع الحد الأدني للأجور علي المستوي القومي ، مراعياً نفقات المعيشة وإيجاد الوسائل والتدابير التي تكفل تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار . ولكن هذا المجلس لم يجتمع إلا مرة واحدة أو مرتين ولم يحدد حداً أدني للأجور . ومازال الحد الأدني للأجور " الأجر الأساسي " محدداً بقانون صدر منذ 33 عاماً وهو القانون 48 لسنة 1978 والذي حدده بـ "35" جنيها في الشهر وفقا للأسعار السائدة في ذلك الزمان والتي تضاعفت عدة مرات خلال العقود الثلاثة الماضية .
ولاتقتصر مشكلة الأجور علي العمال والموظفين ، بل تمتد إلي المهنيين والفئات التي ينظر إليها علي أنها فئات مميزة كالأطباء والمهندسين والصحفيين والقضاة وأساتذة الجامعات .
كذلك فالأجور الحقيقية انخفضت نتيجة للتضخم وارتفاع الأسعار . وفي دراسة سابقة لعبد الفتاح الجبالي رئيس وحدة البحوث الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام ، يتضح أن ارتفاع اجمالي الأجور من 3ر110 مليار جنيه في 2001/2002 إلي 4ر142 مليار جنيه في 2004 /2005 أدي إلي ارتفاع الأجور الحقيقية من 3ر110 مليار جنيه إلي 113 مليار جنيه فقط . أي أن الارتفاع الحقيقي في الأجور لم يتجاوز 7ر2 مليار وليس 1ر32 مليار جنيه . وفي دراسة أخري لمعهد التخطيط القومي أن متوسط الأجر الاسمي للعامل في عام 2005 وصل إلي 7409 جنيهات في حين أن متوسط الأجر الحقيقي للعامل في نفس العام قدر بـ 5879 ، أي أنه رغم ارتفاع متوسط الأجر الاسمي من 520 جنيها شهرياً في عام 2001 /2002 إلي 4ر617 جنيه شهرياً عام 2004/2005 فإن الأجور الحقيقية - أي قدرة الجنيه علي الشراء - انخفض من 520 جنيها إلي 9ر489 جنيه خلال نفس الفترة.
وطبقاً لجدول الأجور للموظفين في 1/7/2007 بعد إضافة علاوة خاصة 10% اقترحتها الحكومة ( تم رفعها إلي 15% بعد ذلك ) فإن كل الموظفين المعينين من الدرجة السادسة إلي الدرجة الثالثة يعيشون تحت خط الفقر إذ لم يكونوا يعولون إلا أنفسهم ، أما إذا كان الموظف يعول فرداً واحداً فإن كل موظفي مصر من الدرجة الثالثة إلي الدرجة العالية يقعون تحت خط الفقر الذي قررته الأمم المتحدة ( 2 دولار في اليوم أي 326 جنيها مصرياً في الشهر ) . فالأجر الأساسي للموظف في الدرجة السادسة 105 جنيه يرتفع إلي 75ر227 بعد إضافة الأجر المتغير ، وفي الدرجة الخامسة 108 جنيهات يرتفع إلى 8ر231 ، وفي الدرجة الرابعة 114 يرتفع إلى 9ر239 ، وفي الثالثة 144 يرتفع إلى 4ر280 وفي الثانية 210 يرتفع إلى 5ر369 ، وفي الأولى 285 يرتفع إلى 75ر470 ، والمدير العام 375 يرتفع إلى 25ر592 ، والدرجة العالية 420 يرتفع إلى 653 ، والدرجة الممتازة 7ر650 يرتفع إلى 37ر978.
ولا يقف الظلم الذي يتعرض له الموظفون في مصر عند حدود تدني الأجور والمرتبات ، فهناك ظلم آخر يتمثل في اختلال هيكل الأجور في الجهاز الإداري بصورة أدت إلى تفاوتات حادة بين العاملين في مصلحة واحدة وأيضاً بين العاملين في القطاعات والمصالح المختلفة . ويعود التفاوت بين العاملين في الغالب إلى ما يعرف ببنود الأجور المتغيرة، كالبدلات والمكافآت والأرباح التي عادة ما يتم إقرارها وفقاً لقوانين أو إجراءات خاصة " حولت في النهاية جدول الأجور إلى جدول وهمي يختلف تماماً عن الواقع ،حيث تذهب نسبة 80% من المبالغ المخصصة للأجور إلى 30% من العاملين، فيما تذهب الـ 20% المتبقية إلى 70% من العاملين " . ويبلغ هذا التفاوت ذروته عندما نعلم أن متوسطات ما يحصل عليه أعضاء الإدارة العليا في القطاعات المختلفة من مرتبات وبدلات وأجور يتجاوز مئات الألوف شهرياً . فعلى سبيل المثال، الدخل الشهري لرئيس مجلس إدارة شركة الحديد والصلب المصرية السابق من عمله كان 140 ألف جنيه . وخلال أزمة مأموري الضرائب العقارية تبين أن الموظف الذي يحصل على 320 جنيها في الضرائب العقارية يحصل قرينه في مصلحة الضرائب على 1600 جنيه . وفي وزارة التموين مثلاً يحصل 3200 موظف تابعين لها على حوافز بنسبة 25% ،بينما يحصل العاملون في ديوان الوزارة على حوافز بنسبة تتراوح بين 100% و200% .
ويشير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى التفاوت الكبير للأجور في القطاعات المختلفة . فبينما يبلغ متوسط الأجر الأسبوعي للعاملين في قطاع التعدين واستغلال المحاجر 390 جنيها يرتفع في القطاع الخاص إلى 506 جنيهات أسبوعياً ، ويتدنى في قطاع الصناعات التحويلية إلى 247 جنيهاً وإلى 147 جنيها في القطاع الخاص بنفس الصناعة !
وفي دراسة مقارنة لمتوسطات الدخل السنوي للعاملين في القطاعات المختلفة في قطاع الأعمال العام يتبين مدى التفاوت بينها . فمتوسط الدخل السنوي في الشركة القابضة للإسكان والسياحة والسينما نحو 24300 جنيه ينخفض إلى 21540 جنيهاً في القابضة للصناعات المعدنية ، ثم إلى 18230 جنيها للقابضة للأدوية والكيماويات ، وأخيراً إلى 9830 جنيها في القابضة للغزل والنسيج .
وفي دراسة حديثة : " أن سياسة الأجور في مصر حالياً تفتقر إلى العدالة ولا تشجع على الاستثمار كونها مرتبطة بالمؤهل وليس بالمهارة والتصنيف المهني .. فالفرق بين متوسط أقل وأعلى أجر شهري في الجهاز الحكومي وصل إلى ثلاثين ضعفاً ، حيث بلغ متوسط الأجر الشهري لموظفي شركات قطاع الأعمال الأساسي والمتغير 7156 جنيهاً ، في حين لا يزيد متوسط الأجر الشهري لنظرائهم في وزارة الأوقاف على 235 جنيها فقط ، ويرتفع قليلاً إلى 408 في وزارة القوي العاملة ، بينما يصل إلى 432 جنيهاً في وزارة الري ، ويقفز هذا الأجر ليصل إلى 5283 جنيها في المجلس القومي للمرأة التي كانت ترأسه " السيدة سوزان مبارك " ، وينمو بشكل كبير في وزارة الخارجية ليبلغ 6059 جنيها في الشهر . وهناك هيئات وقطاعات لها موازنات منفصلة مثل قناة السويس والبترول ورئاسة الجمهورية والقوات المسلحة ، وهذه القطاعات تستولي على جزء كبير من مخصصات الأجور ، الأمر الذي ينتج فروقاً شاسعة في الرواتب . ويبدو الخلل واضحاً إذا قارنا بين أجور ومرتبات كبار ضباط الشرطة وأجور علماء الطاقة النووية ، " ففي وزارة الداخلية 30 ألف ضابط تقريباً ما بين عقيد وعميد ولواء يتقاضون أجوراً مرتفعة ، فالسيد اللواء مساعد وزير الداخلية يتقاضى ما بين 20 إلى 25 ألف جنيه شهرياً بخلاف المكافآت المقررة لبعض اللواءات في قطاعات مؤثرة مثل المخدرات والجمارك وأمن الدولة والمرور ، ويتقاضى اللواء مدير الأمن ربع مليون جنيه شهرياً "!! بينما يتقاضى شهرياً رئيس هيئة المحطات النووية 30ر784 جنيهاً، ورئيس قطاع الوقود النووي 700 جنيه ، ورئيس قطاع المشروعات 679 جنيهاً، ورئيس قطاع الدراسات والتطوير 679 جنيهاً ومدير عام الوقاية الإشعاعية وحماية البيئة 492 جنيهاً.


وفي ظني أن أي حديث عن "العدالة الاجتماعية" في مصر في ظل هذه الأوضاع هو لغو وخداع للنفس. فالعدالة الاجتماعية لن تحقق إلا في ظل سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة ودور للدولة في الاستثمار والتنمية وتوفير الخدمات الأساسية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

طائرة مسيّرة تستهدف مطار الكويت الدولي وإصابات طفيفة بين العاملين

دوي انفجار كبير في دبي.. ورفع حالة الطوارئ الجوية

نجمٌ من الزمن الجميل ينطفئ.. ويظل مضيئاً!

عصائب أهل الحق تدين العدوان على إيران وتستنكر قصف جرف النصر

تحركات عراقية عاجلة لتنسيق الجهود الإقليمية ووقف تداعيات الحرب

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram