TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > رِيافَة الهوية

رِيافَة الهوية

نشر في: 13 فبراير, 2013: 08:00 م

في أعماق كل عراقي يوجد صراع مرير على الهوية، وقلق كبير على المصير، واحتجاجات الأنبار كشفت الكثير من ملابسات هذا الموضوع. فما يشتكي منه المحتجون من اعتقالات عشوائية/ كيفية، وتهميش وتمييز، لا يعاني منه العرب السنة وحدهم، لكنهم يتحسسون أكثر، كونهم يعتقدون بأن الحكومة شيعية وهي تستهدفهم طائفياً. وهذا اعتقاد سبقهم إليه الشيعة والكرد، الذين تعاملوا مع انتهاكات نظام صدام، التي كانت موجهة لهم، باعتبارها انتهاكات حكومة سنية/ عربية تستهدفهم طائفيا، أو عرقياً.

مشكلة صراع الهوية هذا أنه سيال وزئبقي بشكل كبير، ويمكن له أن يتغير بتغير الظروف والإحداث؛ لأن أبعاده كثيرة وملابساته متعددة. فالسني الذي تقلقه الحكومة الشيعية سرعان ما يتخلى عن قلقه ما أن تقفز إلى ذاكرته مخاوفه من انفصالية الكرد, وهي تحولات تجدها داخل الكردي الذي ينسى مخاوفه من استحواذ "الغول" الشيعي على كل شيء. ثم يصطف مع الشيعة عندما يخاف من تطرف السنة القومي ازاء حقوقه المتعلقة بالأراضي "المتنازع عليها".

مرونة الهوية تتجلى أمامي أكثر كلما جمعني حوار مباشر أو عبر الموبايل مع (نه وزاد)، صديقي الكردي من دربندخان. فلدى نوزاد تشكيلة هوية فريدة من نوعها، وبسبب واحدة من جرائم صدام، ترعرع، نه وزاد، في بابل وسط قرية "الحسينية" التي يسكنها السادة الاعرجيون، فقد حملتهم عربات الجيش سنة 1975 ونفتهم إلى تلك الزاوية البعيدة من زوايا وسط العراق، حيث تذوق، منذ عمر السنتين، أهم ملامح الثقافة العربية/ الشيعية، الخاصة بتلك المنطقة، ومنذ ذلك الوقت وهو يعاني من ولع التنقل في مختلف مناطق العراق، ويتحدث عن زيارات كثيرة، لمناطق وقرى لم اسمع عن أسمائها إلا من عنده.

نه وزاد واقع في منتصف مثلث الصراع العراقي، أقصد الصراع الشيعي السني الكردي، فهو كردي سني مشبع بثقافة شيعية ريفية، ما يجعل وعيه قادرا على التنقل بخفة داخل فضاءات والتباسات الهوية العراقية. ومن هنا تصدمني الكثير من آرائه؛ لأنها آراء قافزة على الكثير من العقد القومية والطائفية. فهو يتحدث عن دين شيعي وآيديولوجا سنية، معتبرا أن المذهب السني كان قد أدلج الدين في وقت سابق، بينما الطقوس الشيعية منحته ملامح دينية أكثر. وهو يتحدث عن هوية رافدينية، هي بحسب اعتقاده قادرة على ريافة ثقوب هوية العراق الكثيرة. ثم يصدمني أكثر عندما يصارحني بمخاوفه من انفصال الإقليم، وهي مخاوف سياسية وثقافية. فهي سياسية، كما يعتقد، لأن الواقع السياسي في الإقليم منقسم ولم يتوحد إلا في فضاء تغيرات ما بعد 2003. لذلك فهو معرض للانقسام من جديد ما ان يتم الانفصال. وهي ثقافية؛ لأن الثقافة الكردية لم تنضج بعد لدرجة تسمح بقيام دولة. يقول بأن الثقافة الكردية عمرها قصير، فليس لدينا تاريخ قديم مدون، كما أن بنا حاجة لإيجاد لغة رسمية مشتركة توحد هذا التعدد في لهجاتنا..

ما أريد الوصول إليه هو؛ أن تشققات الهوية العراقية التي نعانيها الآن، ليست حقيقية، إنما هي مجموعة من المسلمات الفكرية والمشاعر العاطفية، يمكن التحايل عليها بل والتلاعب بها أيضا، شرط أن يمتلك المسؤولون "تعاشقا هويّاتيّاً" كالذي يمتلكه أمثال نوزاد، ويجعلهم قادرين على تحقيق شروط رؤية أكثر عمومية، لا أن يكون المسؤول ملطخاً بأشد أدران هويته الفرعية تطرفاً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. ابو عبير/عبد فيصل السهلاني

    قدرة عالية في تمثيل وتشخيص صحفي وفكري وإجتماعي راقي من قبلك ايها الراقي . اصحاب الفكر الوطني العراقي كثر وهم ابناء العراق من عمال وفلاحين ومثقفين وسياسيين واصحاب رؤوس اموال وصحفيين وحتى عراقيين ليس لديهم ضلعا بالسياسة ولكن وحدة العراق والاخوة العربية الكر

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram