لم يكن العراق بلدا طارئا على الفكر والمهارة، ولم يخلُ من المفكرين والمبدعين، ولا يفتقر للعقول التي تزن الأمور بدقة، والتي تتمتع بالقدرة على التبحّر في ميادين السياسة وغيرها، بيد أن التطبيق هو الذي يخذل العراقيين دائما، فالفكر الجميل الموزون الفاعل نق
لم يكن العراق بلدا طارئا على الفكر والمهارة، ولم يخلُ من المفكرين والمبدعين، ولا يفتقر للعقول التي تزن الأمور بدقة، والتي تتمتع بالقدرة على التبحّر في ميادين السياسة وغيرها، بيد أن التطبيق هو الذي يخذل العراقيين دائما، فالفكر الجميل الموزون الفاعل نقرأه في الكتب ونسمع الألسن تتداوله، أما عندما نأتي إلى التطبيق، فإن الخراب والدمار والبطش والتخلف والقهر والحرمان هي الأدلة التي يتركها الفكر على الأرض.
هذه الظواهر التي تشكل حالة الاختلال بين الفكر والتطبيق ليست جديدة، بل عاشت مع العراقيين طوال تأريخهم المنظور والحديث، فالسياسي الثائر صاحب الفكر الخالص الذي يهدف إلى الارتقاء بأوضاع البلد، يكتب وينتج أجمل الفكر وأروع الكلام، ويتقوّل أفكاره هذه بمناسبة أو سواها، كونه معارضا للنظام القمعي، ولكنه حال وصوله إلى السلطة، ينسى أفكاره الجميلة الخالصة، ويرمي بها في سلة مهملات السلطة، ويبدأ رحلته الجديدة مع الاستحواذ والصراع من اجل الثراء وتثبيت أركان الحكم، أما الشعب والفقراء وأصحاب الحق فليذهبوا جميعا إلى الجحيم.
تتكرر هذه الظاهرة لدينا الآن، إذ هناك رؤوس تقود البلد، وانتقلت من مرحلة المعارضة إلى السلطة، ولكنها ألقت بأفكارها الثورية في سلة المهملات وانشغلت بالصراع من اجل المكاسب ذات النزعة الفئوية والحزبية والفردية، ولدينا من الدلائل ما يؤكد هذا الرأي، حيث التناحر بلغ أشدّه في المرحلة الراهنة بين الرؤوس التي تقود البلد، وكل منهم تخندق واحتمى بفئته (عشيرته، طائفته، منطقته)، وكل منهم يقول أنا صاحب الحق.
ومن الملاحظ أن هذه الرؤوس تعمل على تغذية الفتنة أكثر من إطفائها، من خلال القيام بعدة خطوات من شأنها تأزيم الوضع أكثر، فهذا الرأس يدلي بتصريحات طائفية مثيرة للضغينة والقرف، وذلك الرأس يكيل الاتهامات لغيره وينزّه نفسه، وطرف آخر يحذر من دول إقليمية لها مخططات معروفة، وهكذا تستمر هذه الأسطوانة، يتداولها جميع الرؤوس القيادية من دون أن تلاحظ منهم، خطوة واحدة تدل على وجود العقلية والشخصية السياسية القيادية القادرة على توحيد البلد، فوق الولاءات الفرعية التي أصبحت كثيرة إلى حد قد يصعب حصرها.
قد يعزو بعضهم ما يحدث من حالة تشرذم سياسي وتناحر وصراع إلى حداثة التجربة في العراق، ولكن لا ننسى أن عشر سنوات على بدء المرحلة الجديدة، يجب أن تتمخض عن قدرات قيادية تحسم قضية المواطنة، وترفع هاجس الخوف الذي يسيطر على الناس بشأن تقسيم البلد، تحت رغبة ملحّة تتمناها وتعمل من اجلها دول إقليمية تحيط بالعراق وتتربص به شرا، لذا فإن السنوات العشر الماضية لم تستطع ان تقضي على بوادر الخوف من التقسيم، والسبب دائما ضعف رؤوس القيادة في جميع السلطات التي تدير شؤون البلد، والضعف متأتٍ من الخوف على المصالح الضيقة، مع إهمال تام للمصلحة العليا للشعب والوطن.
وهناك من يقول إننا عبرنا حالة الشخصنة، إلى السلطة الدستورية التي تنتظم تحت مضامين الدستور، ولكن المنهج الديمقراطي التحرري لا يلغي السمات القيادية للشخصية السياسية، وأقرب مثال لدينا (أوباما)، إذ أن النظام الأمريكي مكبل بأسوار وأنظمة دستورية جديدة لا يمكن للرئيس أن يقفز عليها، ولكن عندما نقارن بين قيادة (بوش) وقيادة (أوباما) حتما سنلاحظ الفارق الكبير بين طبيعة القيادتين، فالأول يميل إلى العنف والطيش، فيما يميل الثاني إلى السلام والحكمة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، أما الداخلية فقد حقق أوباما خطوة كبرى لفقراء أمريكا، من خلال إقرار قانون الضمان الصحي على حساب الأغنياء.
بالنتيجة إننا نلمس أثر الطابع الشخصي للرأس القيادي على الطبيعة السياسية، لأقوى دولة دستورية بالعالم، وهذا يؤكد أن لا تعارض بين الديمقراطية وقوة الشخصية القيادية التي يفتقر لها ساسة العراق، وهذه الظاهرة هي سبب من أسباب وصول البلد إلى مفترق طرق، لا يمكن توحيده في مسار واحد، إلا إذا وعت الرؤوس القيادية بأنها يجب أن تغادر خانة المصلحة الضيقة إلى رحاب أوسع وأكبر، يكون هدفها وحدة العراق أرضا وشعبا.










