(2 – 5)لقد استند النظام السياسي الذي أنتجه الأميركيون في العراق من خلال "مجلس الحكم" ( تم تشكيله في 12 تموز 2002) و"قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" (الصادر في 8 آذار 2004)، إلى فكرة أن العراق بلد تعددي لا يمكن أن يُحكم إلا من خلال الشراك
(2 – 5)
لقد استند النظام السياسي الذي أنتجه الأميركيون في العراق من خلال "مجلس الحكم" ( تم تشكيله في 12 تموز 2002) و"قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" (الصادر في 8 آذار 2004)، إلى فكرة أن العراق بلد تعددي لا يمكن أن يُحكم إلا من خلال الشراكة، تحديداً بين المكونات الرئيسية الثلاثة: الشيعة والسنة والكرد. لذا عمدوا إلى نقل الأنموذج الذي يعرف في مجال العلوم السياسية بالديمقراطية التوافقية، أو على الأقل بعض مبادئه الرئيسية إلى العراق .
هكذا تشكل مجلس الحكم بناء على التصور الأمريكي للنسب السكانية في العراق وفق صيغة: الشيعة نصف+واحد (13 عضواً)، والسنة والكرد بوصفهم يمثلون 20% (5 أعضاء لكل منهما)، وعضو واحد لكل من المسيحيين والتركمان. وقد حاول الأمريكيون تكريس هذا النموذج من خلال الممارسة السياسية (الحكم من خلال ائتلاف واسع يضم القطاعات المهمة في المجتمع التعددي، والتمثيل النسبي في التعيينات في مجالات الخدمة المدنية) من خلال قانون إدارة الدولة الذي منح أيضا في (المادة 142/ذ رابعاً)، للأقليات المفترضة، حق الفيتو في رفض الدستور، من خلال حق رفض ثلثي ثلاث محافظات أو أكثر.
وقد تم الالتزام بهذا الأنموذج في مرحلة الحكومة الانتقالية والجمعية الوطنية، على الرغم من المقاطعة شبه التامة للقوى السنية الرئيسية لما أطلق عليه "العملية السياسية". حيث تم اختيار بعض الشخصيات السنية للمشاركة في الحكومة: رئيس سني ونائبين شيعي وكردي، ووزارة تتكون من 33 عضوا يرأسها شيعي (17 وزيرا شيعيا قي مقابل 7 وزراء لكل من السنة والكرد مع وزيرين مسيحي وتركماني)، ومجلس وطني موقت يرأسه كردي ونائبان شيعي وسني.
ولكن عملية كتابة الدستور شهدت محاولات منهجية لرفض هذا الأنموذج، على الرغم من نص الدستور على أن العراق بلد تعددي (المادة 3)، وبالتالي وجوب مراعاة "التوازن" بين مكونات المجتمع العراقي في بناء القوات المسلحة (المادة9/أولا)، وإدارة كل مكون لشؤونه الخاصة في ما يتعلق بالأحوال الشخصية (المادة 41)، وإدارة الأوقاف والشؤون الدينية (المادة 43/ب)، فالقراءة الدقيقة للدستور وتحليل مواده تكشف عن نظام سياسي قائم على أساس أنموذج "أكثروي" ـ نسبة إلى الأكثرية بالكامل. وحيث أننا أمام تماهٍ تام بين الأكثرية السياسية والأكثرية الديمغرافية، بسبب من طبيعة القوى السياسية الرئيسية في العراق، وبسبب من طبيعة الاستقطاب الطائفي (الإثني والمذهبي) القائم، فهذا يعني أن "الأكثرية الديمغرافية"، من خلال تمثيلها النسبي في البرلمان لديها القدرة، ولو نظرياً، على احتكار السلطة.
فالمادة (49/ثانيا) نصت على أن: ((تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة بعد تحقق النصاب ما لم ينص على خلاف ذلك))، وهذا يعني، أن العنصر الأول والأهم في الديمقراطية التوافقية لا يتحقق ، فالأغلبية البسيطة تطيح تماما بمبدأ الحكم بائتلاف واسع. وقد شهدنا بين العامين 2007 و 2009 ثم العام 2012 -على سبيل المثال- انسحابا لجبهة التوافق ثم العراقية من الحكومة، من دون أن يفضي ذلك إلى تعطيلها، مما يعني عدم تحقق فكرة الحكم بائتلاف واسع.
كما أن الدستور أغفل تماما الحديث عن "الفيتو المتبادل"، ما عدا الجملة التي نقلت عن "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية"، التي تتحدث عن رفض ثلثي ثلاث محافظات أو أكثر. ولا يمكن عد صلاحية (مجلس الرئاسة) بعدم المصادقة على القوانين (المادة 73/ثانيا)، فيتو رئاسيا يمكن أن يتم الدفع به، لأن بإمكان مجلس النواب تجاوز صلاحية الرئيس هذه (المادة 138/ج)، فضلا عن أن رئيس الجمهورية لم يعد يمتلك هذه الصلاحية، ومن ثم لا يمكن أن يعكس ذلك مبدأ الفيتو المتبادل المقصود هنا.
وقد أغفل الدستور تماما الإشارة إلى قضية التمثيل النسبي في التعيينات في الإدارة المدنية العامة. لاسيما أنه لا وجود لإحصائية دقيقة تظهر الحجم الحقيقي لكل مكون، ومن الواضح من النماذج الخاصة بالتعداد السكاني المفترض انه ليست هناك آليات لمعرفة الوزن الديمغرافي للمكونات جميعا، حيث لم يشتمل نموذج التعداد على سؤال يتعلق بالمذهب، ومن هنا فإن الادعاءات المتعلقة بهذا الأمر ستبقى قائمة مما يمنع الوصول إلى تمثيل نسبي حقيقي حتى في القوات المسلحة التي تحدث عنها الدستور، وهو ما وجدناه في السجالات المتعلقة بالتوازن الذي أقره اتفاق أربيل.
أما بالنسبة للخصيصة الرابعة للديمقراطية التوافقية والمتعلقة بالإدارة الذاتية، فهي متحققة في ما يخص إقليم كردستان حصرا، بخاصة في ظل رفض رئيس مجلس الوزراء طلبات تشكيل الأقاليم التي قدمتها محافظتا صلاح الدين وديالى في مخالفة صريحة للدستور والقانون النافذ، الأمر الذي يجعلنا بشكل واضح بعيدين تماما عن فكرة الإدارة الذاتية للمكونات.
لقد تمت الإطاحة إذاً، بأنموذج الديمقراطية التوافقية في نص الدستور العراقي. وما شهدناه من ممارسات سياسية طوال السنوات السبعة الماضية، كان محض ممارسات براغماتية، مفروضة أمريكيا، ولا تستند إلى أي إطار دستوري أو قانوني.
لقد ظل مبدأ الفصل بين السلطات Separation of powers الثلاثة: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية مغيبا في الممارسة السياسية العراقية على مدى تاريخه الحديث، وإذا كان القانون الأساس لعام 1925 قد حاول الاقتراب من المفهوم من دون النص عليه بشكل صريح، فإن الدساتير الجمهورية بداية من العام 1958 قد أسقطت هذا المفهوم تماما. سواء من خلال عدم ذكره في الدساتير الموقتة المتتالية (1958، 1964، 1968، 1970)، أو من خلال الممارسة السياسية التي شهدت احتكارا أحاديا للسلطات بشكل كامل. والمفارقة أن الاحتلال الأمريكي للعراق هو الذي فرض مبدأ الفصل بين السلطات بشكل صريح في قانون إدارة الدولة الموقت الصادر في آذار 2004، الذي نص على أن نظام الحكم الاتحادي في العراق يقوم على "الفصل بين السلطات" (المادة4). وقد اعتمد الدستور العراقي 2005 هذا المبدأ، فقد نصت المادة 47 من الدستور على أن السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية "تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات". ولكن الممارسة السياسية على مدى السنوات الماضية كشفت بشكل جلي عن تداخل حقيقي في السلطات، أعاد عمليا إنتاج العلاقة التي حكمت مؤسسات الدولة العراقية منذ بداية تأسيسها في العام 1921، بعيدا عن النصوص الدستورية والقانونية التي يفترض أنها الوحيدة الحاكمة.
وقد حصر الدستور العراقي الصلاحيات التنفيذية بيد "مجلس الوزراء"، ولم يحصرها في شخص رئيس مجلس الوزراء. والمادة الوحيدة التي وصفت مهام الأخير كانت المادة 78، التي نصت على أن "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بإدارة مجلس الوزراء، ويترأس اجتماعاته، وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب".
لكن الممارسة السياسية كانت مختلفة تماما، فقد استطاع رئيس مجلس الوزراء من احتكار السلطة التنفيذية بالكامل، لاسيما في ظل عدم وجود نظام داخلي لمجلس الوزراء يحدد آلية اتخاذ القرار داخل المجلس. ولكن المسألة الأكثر خطورة كانت في تأويل عبارة "القائد العام للقوات المسلحة" على أنها تعطي لرئيس مجلس الوزراء سلطة مطلقة في إدارة هذا الملف، وهو التأويل الذي أنتج أغلب الأزمات. بل توسعت هذه الصلاحية المطلقة لتشمل القوات الأمنية بالكامل، القانونية منها (القوات التابعة لوزارة الداخلية، جهاز المخابرات)، وغير القانونية (جهاز مكافحة الإرهاب، القوات التابعة لمكتب القائد العام للقوات المسلحة)، فضلا عن تشكيل ما أطلق عليه "قيادة العمليات" التي تتبعه مباشرة.
لقد أنتجت هذه "السلطة المطلقة" واحداً من أهم أسباب الحراك الجماهيري القائم اليوم، وتحديداً في ما يتعلق بعمليات الاعتقال العشوائي، والاحتجاز لمدد طويلة من دون محاكمة، واعتقال النساء من أقارب المطلوبين لغرض الضغط عليهم لتسليم أنفسهم. فعلى الرغم من أن الدستور العراقي يحظر الحجز، ولا يجيز الحبس أو التوقيف في غير الأماكن المخصصة لذلك وفقاً لقوانين السجون المشمولة بالرعاية الصحية والاجتماعية والخاضعة لسلطات الدولة (المادة 19/ثاني عشر). وعلى الرغم من أن قانون "إدارة مراكز الاحتجاز والتوقيف والسجون" يقضي بوجوب إخضاع جميع السجون لإشراف وزارة العدل وسلطتها حصرا (أمر سلطة الائتلاف رقم 10 الصادر في 6/8/2003 النافذ)، وهو ما تؤكد عليه (المادة 2/حادي عشر) من قانون وزارة العدل رقم (18) لسنة 2005. إلا أن جهات أخرى تنازع ، بصورة منهجية، وزارة العدل في هذه السلطة الحصرية. فوزاراتا الدفاع والداخلية وجهاز مكافحة الإرهاب ومكتب القائد العام للقوات المسلحة، وهي جميعها تخضع للسلطة الحصرية لرئيس مجلس الوزراء نوري المالكي، على مدى سبع سنوات من توليه هذا المنصب، تقوم باحتجاز متهمين لمدد طويلة، وهو ما أثبتته وزارة حقوق الإنسان في تقاريرها السنوية (تقارير الأعوام 2007، 2008، 2009، 2010، 2011). بل إن هذه التقارير أثبتت أن هذا الاحتجاز، غير القانوني ،كان يأخذ مسارا تصاعديا على مستوى عدد أماكن الاحتجاز، وأعداد المحتجزين. ففي التقرير السنوي لأوضاع السجون ومراكز الاحتجاز لعام 2010 الصادر عن وزارة حقوق الإنسان وتحت عنوان " ﺃﻭضاع حقوق الإنسان في مرافق التوقيف الاحتياطي" نقرأ ما يأتي: "إﻥ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﺤﺎل ﻓﻲ بغداد كان قد تطور ﻓﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻌﺎﻡ تطورا ﺴﻠﺒﻴﺎ حيث برزت مرافق ﺍﻟﺘﻭﻗﻴﻑ الاحتياطي التابعة للواءين 56 و54 كمرافق توقيف احتياطي تخضع لسلطة عسكرية تحت إشراف مكتب القائد العام للقوات المسلحة). وعلى الرغم من أن التقرير يشير إلى تسلم الموقع الأول (معسكر الشرف) في شهر أيار من العام 2010 وإلغاء الموقع الثاني (مركز سور نينوى) إلا أن التقرير يؤكد أن (إشكالية الإدارة لموقع الشرف لم تنته بتسليم الإدارة لوزارة العدل ، فقد برزت تدخلات إدارة اللواء [المقصود هنا اللواء 56] ومكتب القائد العام للقوات المسلحة عائقا أمام قيام وزارة العدل وكادرها بالمهام الموكلة إليها قانونا، فقد فرضت إجراءات عسكرية منعت بموجبها الزيارات العائلية ومقابلات المحامين والنقل والتسفير ناهيك عن عرقلة أعمال التفتيش من خلال وزارة حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر ... وقد انتهى العام 2010 ولم تتمكن وزارة حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الموقع المذكور ،بل على العكس فإن إدارة مرافق الاحتجاز العسكرية قد نقلت أكثر من 200 محتجز ممن أودعوا مرفق التوقيف الاحتياطي لمعسكر الشرف إلى موقع العدالة التابع لوزارة العدل في معسكر العدالة في الكاظمية ووضعوا تحت سيطرة قوة الحماية التابعة للواء 56 التي كرست ذات السلوكيات الخاصة بالعرقلة والمنع للزيارات". (ص 70 ـ 72).
وقد بلغ عدد مرافق الاحتجاز المخالفة للدستور وللقوانين النافذة تبعا لتقرير وزارة حقوق الإنسان للعام 2010 ،كما يأتي: 18 مركزا في بغداد، و22 مركزا موزعة على المحافظات، أي ما مجموعه 40 مركز احتجاز مخالفاً للدستور وللقوانين النافذة (لم يتجاوز عدد هذه المراكز 21 مركزا في العام 2008 تبعا لتقرير وزارة حقوق الإنسان للعام المذكور، وتحدث تقرير وزارة حقوق الإنسان السنوي للعام 2009 عن وجود 38 مرفق توقيف )تسفيرات( في عموم العراق لا تتبع لوزراة العدل، وإنما تتبع وزارتي الداخلية والدفاع، في مخالفة صريحة ومنهجية لأحكام الدستور والقوانين النافذة! ما يعني أننا أمام سياسة منهجية لانتهاك الدستور والقوانين النافذة بهذا الشأن). وقد بلغ عدد المحتجزين المودعين في هذه المراكز ما مجموعه 7925 محتجزا. كما يسجل التقرير أن (مدد الحجز الطويلة كإجراء سابق للمحاكمة في غياب حق المحتجز بالاتصال بالأهل والعالم الخارجي والتمتع بخدمات محامي الدفاع يعتبر نوعا من التعذيب وإساءة المعاملة ناهيك عن اعتباره تغييبا قسريا للمحتجزين لاسيما وأن حكومة جمهورية العراق قد أصبحت عضوا أساسيا بانضمامها للاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من التغييب والإخفاء القسري، ونخص بذلك مراكز التوقيف الاحتياطي في معسكر الشرف (لواء بغداد ـ 56)/ ومعسكر مطار المثنى (الهيئة التحقيقية لسور نينوى) لواء 54، وقاطع لواء 56 ضمن قسم العدالة 2 في معسكر العدالة في الكاظمية، ومرافق توقيف جهاز مكافحة الإرهاب، ومديريات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة التابعة لوزارة الداخلية).
وفي التقرير السنوي لأوضاع السجون ومراكز الاحتجاز لعام 2011 ، يتكرر الحديث عن الانتهاكات المنهجية نفسها، إذ يشير التقرير إلى أنه (لم يطرأ تغيير في العام ٢٠١١ في ما يتعلق بالخريطة السجنية والتوزيع الجغرافي لمرافق التوقيف الاحتياطي في بغداد والمحافظات ،فعلى صعيد الإدارة غير الشرعية لمرافق التوقيف الاحتياطي من قبل الوزارات الأمنية فقد استمرت وزارة الدفاع بإدارة السجن الخاص بمديرية الاستخبارات العسكرية الذي يضم مئات المحتجزين المدنيين بقضايا جنائية وكذا الحال بالنسبة للفرق العسكرية المنتشرة في محافظات العراق) (التقرير ص 53). كما يشير التقرير إلى أن وزارة الداخلية قد استمرت في انتهاكها للدستور والقوانين النافذة من خلال زيادة عدد مراكز الاحتجاز غير الشرعية .(فقد شهد العام ٢٠١١ زيادة في عدد مديريات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة المرتبطة بوكالة الوزارة للمعلومات والتحقيقات الوطنية ،حيث تم استحداث العديد من مرافق التوقيف الاحتياطي نوضحها في الجداول المرفقة ،وهي مرافق احتجاز غير شرعية بمقتضى أحكام القسم (١) من قانون إدارة السجون ،مشيرين في هذا الجانب إلى حرمان المحتجزين من العديد من الضمانات القانونية بسبب خضوع إدارة تلك المديريات لوزارة الداخلية أو الدفاع أو قيادات العمليات). فضلا ـ كما يشير التقرير ـ إلى ما ينتج عن ذلك من (المخالفة الصريحة لروح القانون في جمع جهتي التحقيق والاحتجاز بيد جهة واحدة الأمر الذي يؤدي إلى حرمان المحتجزين من مزية إمكانية التحرر من الإدارة في تقديم الشكاوى والتظلمات إلى الجهات الرقابية ،ناهيك عن الضغوط التي يمكن أن تمارس بحق المحتجزين لحملهم على الاعتراف والإقرار بارتكاب الجرائم والتهم المنسوبة إليهم). وقد تحدث التقرير عن 37 موقعا، 12 في بغداد و25 في المحافظات. تضم 6916 محتجزا في هذه المرافق المخالفة للدستور والقوانين النافذة.
إن الوقائع التي تؤشرها تقارير وزارة حقوق الإنسان تكشف عمليا عن انتهاكات دستورية وقانونية فشل النظام السياسي العراقي، بسلطاته المختلفة، في إيقافه. فقد فشل رئيس الجمهورية الذي عهد إليه الدستور في أن "يسهر على ضمان الالتزام بالدستور" (المادة 67) في القيام بواجبه تجاه هذا الانتهاك الدستوري الصريح، فضلا عن انتهاكات عديدة أخرى. كما فشل مجلس النواب في إيقاف هذه الانتهاكات الصريحة والمنهجية للدستور والقانون، كما فشلت السلطة القضائية في القيام بالتزاماتها بضمان محاكمة عادلة للمتهمين من خلال خضوعها لشروط السلطة التنفيذية، من خلال قبولها بالقيام بالتحقيق القضائي في أماكن الاحتجاز غير القانونية، فضلا عن الأخذ بنتائج التحقيقات الابتدائية التي تقوم بها جهة الاحتجاز غير القانونية في مخالفة صريحة لما استقر عليه فقه القانون بعدم جواز الجمع بين جهتي الاحتجاز والتحقيق بيد جهة واحدة.
وقد ساهمت المحكمة الاتحادية في تكريس تغوّل السلطة التنفيذية، من خلال إعادة هيكلة النظام السياسي البرلماني الذي أقره دستور عام 2005. لقد شكلت المحكمة الاتحادية بموجب القانون رقم 30 لسنة 2005، الذي لم يمنح أية صلاحيات تتعلق بالدستور أو تفسيره، إلا أن المحكمة الحالية أعطت لنفسها، من دون سند دستوري أو قانوني، الصلاحيات المقررة في الدستور الذي أقر بعد تشكلها بالقانون السابق (ما قررته المادة 93 من الدستور بشأن صلاحيات المحكمة الاتحادية)، دون تغيير في بنية وطبيعة المحكمة نفسها. وقد كرس التواطؤ السياسي من جهة، وموازين القوى من جهة ثانية، والاستخدام السياسي لقرارات المحكمة من جهة ثالثة، هذه الولاية المشكوك فيها قانونيا! ولعل من أبرز ما أفرزته المرحلة الماضية مساهمة المحكمة الاتحادية العليا في "شرعنة" محاولات تكريس الصلاحيات بيد السلطة التنفيذية، تحديدا مجلس الوزراء. من خلال بعض قراراتها المثيرة للجدل، فقرار المحكمة الاتحادية رقم 44 لسنة 2010 سحب سلطة التشريع من مجلس النواب ومنحه للسلطة التنفيذية حصرا، حين اشترط أن مقترحات القوانين التي يقترحها مجلس النواب لا تكتسب شرعيتها إلا إذا مرت عبر قناة السلطة التنفيذية، بل مجلس الوزراء حصرا! ثم قرار المحكمة الاتحادية رقم 88 لسنة 2011 الذي ربط الهيئات المستقلة -بموجب الدستور- بمجلس الوزراء. وقرار المحكمة الاتحادية رقم 35 لسنة 2012 الذي عطل قدرة مجلس النواب على استجواب رئيس مجلس الوزراء أو أي من الوزراء، من خلال تفسير المادة المتعلقة بالاستجواب بالقول إن الاستجواب "يلزم أن يتضمن وقائع محددة تتضمن خرقا دستوريا أو قانونيا، وترتب عن هذا الخرق ضرر فادح، مادي أو معنوي". وقد كان لقدرة السلطة التنفيذية، وتحديدا السيد رئيس مجلس الوزراء، على استخدام ورقة اجتثاث البعث ضد الكثير من أعضاء المحكمة الاتحادية والسلطة القضائية عموما، فضلا عن سياسة الامتيازات، وعدم وجود تراث حقيقي لاستقلالية القضاء في العراق، دور كبير في تمكن رئيس مجلس الوزراء من فرض هيمنته الكاملة على السلطة القضائية، وهو ما يعكس أيضا عجز النظام السياسي العراقي عن احترام الفصل بين السلطات.










