سيبقى تحليل وتفكيك النص المسرحي ـ الشعري الشكسبيري من قبل الناقد المعاصر قاصراً و غير مكتمل إذا اعتمد الأساليب الأدبية فقط في تحليله أو تفكيكه . و بما أن النص المسرحي هو للعرض وليس للقراءة ، لذا فإنني أؤمن بأن تاريخ المسرح هو تاريخ العرض المسرحي .
ولكن هنالك بعض النصوص التي يمكن تحليلها كنص وكعرض في آن واحد (قبل أن تقدم على المسرح )ما دامت تحمل في متنها بعدها البصري الذي يكشف بسهولة عن فضاء العرض لأنها كتبت بأسلوب وتكنيك الكتابة البصرية حتى وإن كانت من الكلاسيكيات ، وكمثال على هذا يمكن أن نجده في نصوص المسرح الإغريقي والنصوص الشكسبيرية ونصوص المسرح الطليعي الفرنسي (مايسمى باللامعقول؟؟)وبعض نصوص مسرح ما بعد الحداثة إذا جاز التعبير .
لذا فمن الضروري أن يُحلل مثل هذا النص كفضاء بصري و بأساليب النقد والتحليل البصري وليس بالأساليب الأدبية، بمعنى أن يتخلى الناقد عن الأساليب الأدبية الضيقة في تحليله للنص المكتوب الذي سيصبح جزءاً من الفضاء البصري . إذ أن هذا سيساعده على رؤية الإيقاع والحركة واللغة والفكرة والحدث والبعد الداخلي للشخصية والبطل ليس من الناحية السايكولوجية(كما اعتاد النقد ذلك )وإنما كرؤية بصرية للأحداث التي تتجدد في فضاء مسرحي له زمنه الخاص الذي هو الزمن الإبداعي وليس الواقعي وأيضا من ناحية مثيولوجية البطل الذي يمتزج عادة بمرجعياته التاريخية والمثيولوجية . وفي مثل هذا الوجود يُخلق البطل أيضاً من جديد ليس في فضائه الواقعي وإنما فضاء العرض البصري الذي تتجسد ديناميكيته فيه .
الكائن هنا هو جسد له كينونته ووجوده الديناميكي يؤثر ويتأثر بعلاقته بالأشياء المحيطة به في فضاء الوجود البصري، أي فضاء الفعل أو الجحيم المسرحي .وهذا يعني أن نستخدم تأويل التأويل المستند إلى مفهومنا حول الذاكرة الجسدية المطلقة ،وبالذات عندما تكون الأشياء والكائنات وهي في فضائها المسرحي الديناميكي البصري . وهذا يتطلب منا أن نمتلك وعياً نقدياً بصرياً،بحيث نرى النص وهو في تحولاته المكانية و الزمانية والترددات الإيقاعية البصرية التي في فضاء العرض البصري عموما ، أي في الرؤية البصرية لفضاء العرض وليس فضاؤه على الورق ، وهذا يحتم أن يكتب النص بأدوات الكتابة البصرية وليس الأدبية ، ونحن نفرق بين مؤلف النص الأدبي ومؤلف النص البصري .
وهذا يوضح لنا الخطأ الأساسي الذي بدأ به المسرح العربي عندما نقل الرواد النص المسرحي الأوروبي التقليدي إلى خشبة المسرح العربي ، مما دفع فنان المسرح العربي الاعتماد الكامل على تقنيات النص المسرحي الأدبية .وقد أثر هذا على المشاهدة فتحولت إلى مشاهدة سلبية ، أي أن المتفرج وهو في صالة العرض لا يرى عرضا مسرحيا وإنما يسمع نصاً مسرحيا ما دام المؤلف قد كتب النص بالأدوات الأدبية ومادام الممثل والمخرج ينفّذان تقنيات النص وتعاليم المؤلف حرفيا ًكما هو على الورق وليس بصريا ً كما في بصريات فضاء العرض .
إن التفكيك النقدي وتأويل النص المسرحي يعتمد على ما نطلق عليه بآليات النقد البصري ،وهذا يرشدنا إلى أن ننظر لمجموع الصراعات سواء بين الشخصيات التي تمثل نماذج متصارعة أو أحداثاً تتصادم مع بعضها ، إلى الغور في أعماق النص والكشف عنه من خلال استخدام مفهومنا حول البعد الرابع للزمن الذي يعتبر التحليل البصري للنص أحد أسسه الرئيسية.










