افتقر العراقيون إلى ثقافة الاحتجاج والتظاهر والاعتصام المدني السلمي على مدى عقود، فللمرة الثانية بعد نيسان 2003، يمكننا الحديث عن بداية تحول نوعي تجاه وعي المواطنين بقدرتهم على التغيير من خلال الاحتجاج المدني والسلمي. حدث الحراك الأول يوم 25 شباط 201
افتقر العراقيون إلى ثقافة الاحتجاج والتظاهر والاعتصام المدني السلمي على مدى عقود، فللمرة الثانية بعد نيسان 2003، يمكننا الحديث عن بداية تحول نوعي تجاه وعي المواطنين بقدرتهم على التغيير من خلال الاحتجاج المدني والسلمي. حدث الحراك الأول يوم 25 شباط 2011 وقد تم إجهاضه مبكرا عبر القمع المباشر ، وعبر خطابات التشكيك والتحريض. واليوم يشهد العراق، تحديدا في الجغرافيا السنية (بعض المناطق في بغداد، الأنبار، صلاح الدين، نينوى، ديالى، كركوك) تظاهرات مدنية أخرى، تطورت سريعا إلى حركة "اعتصام"، ودعوات إلى "عصيان مدني". استطاعت هذه المرة الحفاظ على زخمها على مدى أكثر من خمسة وخمسين يوما (21 كانون الأول 2012 ـ 16 شباط 2013). وقد أفاد منظمو التظاهرات والاعتصامات في المدن المختلفة، بالضرورة، من الأساليب التي اعتمدتها الثورات العربية، خاصة وأنه ليس ثمة تراث حقيقي من وسائل الاحتجاج السلمي والمدني في العراق، على الأقل خلال السنوات الأربعين الماضية. ففكرة تسمية أيام الجمعة اقتبست من ثورات مصر واليمن وسوريا، ثم فكرة ساحات الاعتصام (ساحة العز والكرامة في الرمادي، وساحة الاعتصام في الفلوجة، ساحة الأحرار في الموصل، ساحة الحق في سامراء) التي شكلت رموزا من خلال تسميتها على الرغم من أن أمكنة الاعتصامات لا تمثل ساحات حقيقية وإنما خطوط المرور السريع كما في الرمادي والفلوجة مثلا!
لا يمكن إنكار أن حركة التظاهرات الأخيرة بدأت منظمة، وأدارتها جهة سياسية محددة هي كتلة "متحدون" التي يتزعمها الدكتور رافع العيساوي (وزير المالية) وأسامة النجيفي (رئيس مجلس النواب)، وهي قائمة تشكلت من بعض أطراف القائمة العراقية لدخول انتخابات مجالس المحافظات المقرر إجراؤها في نيسان القادم، ولكنها سرعان ما تحولت إلى حركة جماهيرية، وهذا المعطى أنتج حركة احتجاج لا يمكن نسبتها إلى جهة سياسية أو اجتماعية أو دينية أو مدنية محددة. وعلى الرغم من الحضور الواضح لرجال الدين وشيوخ العشائر على المنصات، تحديدا في أيام الجمع، التي تشهد الكم الأكبر من المتظاهرين، إلا أن هذا الحضور يتعلق بتواضعات المجتمعات المحلية في المحافظات التي شهدت هذا الحراك أكثر مما يعكس سلطتهم على التظاهرات. ومن ثم يجب التمييز بين لحظة بداية الاحتجاجات التي كانت ردة فعل مباشرة على اعتقال حمايات العيساوي، وبين تطور هذا الاحتجاج الذاتي وتحوله إلى حراك جماهيري. ومن أجل توضيح الصورة يمكن مقارنة ما تم بما حدث في مصر بين تظاهرة يوم الثلاثاء 25 كانون الثاني 2011 التي بدأها نشطاء فيسبوك، وبين تظاهرة يوم الجمعة 28 كانون الثاني المختلفة تماما. لذلك من الصعب تحديد القوى الفاعلة على الأرض في هذا الحراك الجماهيري، لاسيما أن ثمة أفراد أساسيين فيه لا يمكن نسبتهم إلى جهة محددة، على سبيل المثال لا الحصر، الناطق الرسمي باسم متظاهري الرمادي، وهو الشيخ سعيد محمود اللافي، والناطق الرسمي باسم متظاهري ومعتصمي سامراء ناجح عباس الميزان، والناشط الحقوقي غانم العابد المتحدث الرسمي لمعتصمي ساحة الأحرار بالموصل.
وبسبب من جماهيرية الحراك، لا يمكن الوقوف على أية مؤشرات تتعلق بالتكوين الطبقي،أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، وحتى السياسي، للمتظاهرين. فنحن أمام حراك جماهيري شارك فيه الجميع، النخب السياسية، رجال الدين، شيوخ العشائر، الشباب، الفئات الاجتماعية المختلفة، ومقارنة سريعة بين أعداد المتظاهرين في أيام الجمع المتتالية، وأعداد سكان كل من هذه المدن، فيما عدا الموصل، تؤكد هذه الحقيقة. (عدد سكان محافظة الأنبار حسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء وتقنية المعلومات يبلغ 1.598.822 نسمة، ولا يتجاوز عدد سكان مدينتي الفلوجة والرمادي الـ450 نسمة وفق أعلى التقديرات. ويبلغ عدد سكان محافظة صلاح الدين 1.441.266 نسمة، ويبلغ عدد سكان سامراء 350 ألف نسمة وفق أعلى التقديرات).
ثمة مؤشرات جلية على وجود تنسيق عبر-جهوي بين متظاهري الجغرافيا السنية، من خلال توحيد تسمية أيام الجمعة في المحافظات جميعا، ويتم ذلك عبر لجان التنسيق في المدن الرئيسية (الفلوجة، الرمادي، الموصل، سامراء) تعلن مسبقا، ويتم تبنيها بشكل تام في جميع التظاهرات في المدن المختلفة الأخرى، بما فيها بغداد العاصمة. ولا يمكن لأي جهة سياسية أن تدعي تحكمها بهذا الأمر مطلقا. فعلى الرغم من محاولة هيئة علماء المسلمين، على سبيل المثال، إعلان تسمياتها الخاصة لبعض الجمع التي تشهد الكم الأكبر من التظاهرات بعد ما أطلق عليه "الصلاة الموحدة"، إلا أنها فشلت عمليا في فرض تسمياتها الخاصة عليها. وثمة مؤشر آخر على هذا التنسيق عبر-الجهوي من خلال الشعارات الرئيسية التي يتم اعتمادها. ولكن ثمة مؤشرات أخرى على وجود مطالب ذات طبيعة جهوية، تبعا لحالة كل مدينة أو محافظة على حدة. على سبيل المثال لا الحصر، كان أحد المطالب الثلاثة عشر التي قدمت لمجلس النواب هو : "إعادة جميع المساجد ودور العبادة وأملاك الوقف وأملاك المواطنين الخاصة المغتصبة، تحت مفهوم المصادرة وإلغاء قانون رقم 19 لعام 2005". وهو مطلب يتعلق بمدينة سامراء حصرا، فالقانون المذكور والمعنون "قانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية الشريفة" نص على أن يدير ديوان الوقف الشيعي "مراقد أئمة أهل البيت عليهم السلام والبنايات التابعة لها في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية وسامراء"، كما تم استملاك العديد من أملاك المواطنين المحيطة بمرقد الإمامين العسكريين في سامراء ضمن خطة الوقف الشيعي لتوسعة وتطوير المرقد، خصوصا بعد حادث التفجير الذي تعرض له في العام 2006. وهذا الموضوع كان مثار خلاف دائم بين الوقفين السني والشيعي، وبين جبهة التوافق ثم القائمة العراقية، والتحالف الوطني طيلة السنوات الماضية، كان آخرها في حزيران 2011 عندما تم تسجيل المرقد المذكور باسم الوقف الشيعي وعدم الاكتفاء بالإدارة التي نص عليها القانون. وفي حين كان مطلب سحب الجيش من المدن مطلبا أساسيا للمتظاهرين في نينوى من الأيام الأولى للتظاهرات، لم يرتفع هذا الطلب في الأنبار إلا بعد حادثة إطلاق الجيش النار على المتظاهرين في الفلوجة يوم الجمعة 25/1/2013.
لكن في الوقت نفسه توجد بعض المؤشرات على وجود تقاطعات في الرؤى بين المتظاهرين، يمكن ملاحظة ذلك من خلال طبيعة الشعارات التي ترفع، وطبيعة التجمعات داخل الاعتصامات نفسها. بل وجدنا في مدينة الفلوجة مكانين مختلفين للاعتصام والتظاهرات، صحيح أن أحد هذين التجمعين يبقى صغيرا من حيث الحجم، وهو التجمع الذي يقوده رجل الدين الشيخ خالد حمود الجميلي (كان أحد رؤساء وفد أهالي الفلوجة للمفاوضات مع الحكومة العراقية الموقتة في العام 2004)، إلا أنه يعكس انقساما واضحا بين الفاعلين الرئيسيين في هذا الحراك، فضلا عن انقسام الجمهور نفسه.
وبسبب من جماهيرية الحراك، لا يمكن التعامل مع الشعارات التي يرفعها بعض المتظاهرين على أنها تمثل اتجاها عاما لدى المتظاهرين جميعا، ويمكن مقارنة هذا الأمر بمسألة الأعلام التي يرفعها المتظاهرون، فبعضهم رفع العلم العراقي ذا النجوم الثلاثة الذي تم تعديله في كانون الثاني 2008، والبعض الآخر رفع العلم العراقي المعدل بعد حذف النجوم الثلاثة والإبقاء على عبارة "الله أكبر " فقط، بما يؤكد أنه ليس ثمة قرار برفع علم معين، وإنما الجمهور هو الذي رفع العلم الذي يريد. فمن الشعارات التي ترددت في بعض المظاهرات، شعار الربيع العربي "الشعب يريد إسقاط النظام"، ولكن لا أحد من المتحدثين الرسميين، قال بهذا الشعار، وإنما تحدثوا، ومعهم الخطباء، عن "إسقاط المالكي". بما يعني أن ثمة تشذيبا للشعارات التي يطرحها الجمهور يتولاه الفاعلون الرئيسيون في تنسيق هذا الحراك. ولعل الدليل الأوضح على هذا "التشذيب" ما ورد على لسان الشيخ عبد الملك السعدي عند زيارته متظاهري الرمادي يوم 30 كانون الأول 2012 : ""إن المطالب التي خرجتم بها مشروعة، فتجنبوا أي عنف أو شعارات تؤذي الآخرين". لذا يجب أن يتم التركيز على "المطالب" المتفق عليها المطروحة رسميا من المتظاهرين. الأهم أن هؤلاء الفاعلين استطاعوا ضبط المتظاهرين في أعقاب إطلاق النار عليهم ومقتل ثمانية منهم، حيث لم تسجل سوى عملية واحدة استهدف فيها الجيش في أعقاب هذه العملية، ولم ينجروا إلى التخلي عن مدنية وسلمية تظاهراتهم، وهو ما يعكس تحولا جذريا في وعي المتظاهرين تجاه الاحتجاج السلمي.
إن قراءة المطالب التي تقدم بها المتظاهرون، وهي حزمة المطالب الثلاثة عشر التي قرئت في مجلس النواب، تعكس وعيا واضحا بطبيعة الانقسام المجتمعي في العراق، والمنعكس سياسيا في بنية النظام السياسي القائم، والتي لا تتيح رفع سقف المطالب للحديث عن "إسقاط النظام"، لأن هذه الدعوة كفيلة بتحشيد الأطراف المقابلة التي أنتجت هذا النظام وما زالت حريصة عليه (الشيعة والكرد). خاصة وأننا أمام "نظام" كان نتاجا لخيارات الجمهور نفسه من خلال انتخابات ديمقراطية. لذا وجدنا رئيس مجلس الوزراء ومن خلفه دولة القانون والقائمتين الصغيرتين المنشقتين عن القائمة العراقية (العراقية البيضاء والعراقية الحرة)، وحدها تحاول الحديث عن "استهداف النظام والانقضاض عليه" في محاولة مكشوفة للعب على الانقسام المجتمعي الذي تحدثنا عنه في ما سبق. وقد لعب موقف الصدريين، ومقتدى الصدر شخصيا دورا حاسما في تحييد السمة الطائفية عن حراك الجغرافيا السنية. صحيح أن الاحتجاجات ما زالت محصورة في هذه الجغرافيا السنية ولم تمتد إلى مناطق أخرى، ولكن هذا لا يعني مطلقا أننا أمام حركة ذات طبيعة "طائفية"، ببساطة لأن طبيعة المطالب التي تقدم بها المحتجون والمعتصمون لا يمكن اتهامها بأنها "طائفية" بأي حال من الاحوال.
ولكن هذه المطالب بطبيعتها الفئوية، لا تتيح في الوقت نفسه إمكانية حقيقية لانضمام محافظات أخرى إلى الاحتجاجات، فالمطالب المرفوعة تتعلق بالجغرافيا السنية حصرا، خاصة في ظل قصر استخدام مصطلح "الإرهاب" على متهمي هذه الجغرافيا، حيث لا يتم تجريم الفعل من حيث طبيعته، وإنما تجرم الأفعال من خلال القائمين بها، فالقائمون بأعمال "عنفية" من الشيعة يطلق عليهم مصطلحات ،مثل "المليشيات"، و"فرق الموت"، و "الخارجين على القانون"، وليس "الإرهابيين" مع كل ما يترتب على ذلك من توصيف قانوني لا يربطهم بقانون الإرهاب! وهذا ما دفع الجمهور السني منذ مدة ليست بالقصيرة إلى إطلاق عبارة "المادة 4 سنة" على "المادة 4 إرهاب" التي طالبوا بالغائها. أما في ما يتعلق بقانون المساءلة والعدالة فثمة إجماع شيعي على "شيطنة" البعثيين، بمن فيهم البعثيون الشيعة، ومن ثم لا إمكانية للحديث عن مطلب "وطني" بمعنى عابر للهويات الأولية. على عكس ما كان عليه الأمر في تظاهرات 25 شباط 2011 التي كانت نتيجة تأثر مباشر بالثورات العربية، فتلك التظاهرات امتدت من السليمانية إلى البصرة مرورا بالأنبار، لأن حزمة المطالب التي اشتملت على أربعة موضوعات أساسية : الخدمات والبنى التحتية، قضية الفساد، موضوع البطالة والتشغيل، ثم مسألة الحريات العامة وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وهي مطالب جامعة لا تتعلق بفئة دون أخرى مثلما هو الأمر مع التظاهرات الأخيرة.
وقد ساهمت طبيعة تغطية الإعلام العراق؛ الرسمي منه (ممثلا بشبكة الإعلام العراقي المسؤوءلة عن قناة العراقية وصحيفة الصباح)، وغير الرسمي (التابع مباشرة لأحزاب سياسية، أو للقطاع الخاص من حيث الشكل على الأقل). في عدم التعاطي مع التظاهرات القائمة بوصفها حراكا جماهيريا لمواطنين عراقيين يشعرون بالاستهداف، ويعتقد أن ثمة انتهاكات منهجية يتعرض لها. فقد انقسم هذا الإعلام، تحديدا القنوات الفضائية التي تزيد على الستين قناة، وتبعا لمصادر تمويله، وتحيزاته، إلى إعلام "داعم" للتظاهرات ومطالبها، وإعلام "مضاد" يكرر الاتهامات الحكومية. خاصة وإن لكل من هذه القنوات فئة مستهدفة محددة طائفيا يوجه إليها خطابه. أما وسائل الاتصالات الجماهيرية الأخرى، فإن تحليلها يكشف عن انعكاس الانقسام المجتمعي، الشيعي السني، بشكل صارخ، على موقفهم الاستقطابي من هذه التظاهرات.










