لقد أدخلت التظاهرات الأخيرة الجمهور السني على خط إدارة الصراع على السلطة بشكل مباشر للمرة الأولى، بعد أن كان الصراع محصورا بين القوى السياسية طيلة السنوات العشرة الماضية، وهذا الأمر سيعيد رسم الخارطة السياسية السنية بالضرورة. لقد عمد الأمريكيون بعد ا
لقد أدخلت التظاهرات الأخيرة الجمهور السني على خط إدارة الصراع على السلطة بشكل مباشر للمرة الأولى، بعد أن كان الصراع محصورا بين القوى السياسية طيلة السنوات العشرة الماضية، وهذا الأمر سيعيد رسم الخارطة السياسية السنية بالضرورة. لقد عمد الأمريكيون بعد الاحتلال إلى "اختيار" الشخصيات التي تمثل السنة العرب من دون أي عودة إلى الجمهور، ومراجعة الأسماء "السنية" التي "مثلت" السنة العرب، بداية من مجلس الحكم، تكشف كبر الهوة بين "الممثِلين" و "الممثَلين"، على عكس ما كان عليه الأمر بالنسبة للكرد والشيعة الذين تم تمثيلهم عبر أحزاب وقوى سياسية تاريخية. ولم يتغير هذا الأمر إلا في نهاية العام 2005 عندما "اختار" السنة العرب ممثليهم للمرة الأولى في انتخابات مجلس النواب. ولكن الممثلين الجدد "فشلوا" في تحقيق مطالب جمهورهم، فعاقبهم هذا الجمهور في انتخابات العام 2010 بانتخاب القائمة العراقية.
لكن القائمة العراقية، وبسبب من الأزمة البنيوية الحقيقية التي عانتها، لم تستطع الإفادة من هذا الفوز الرمزي والواقعي في آن، بل انتهى بها الأمر إلى أن تكون المنهزم الأكبر، من خلال اللحاق باتفاق أربيل لتشكيل الحكومة مضطرة غير مخيرة، ومن خلال فشلها أيضا في إلزام وزرائها بمقاطعة جلسات مجلس الوزراء عقب استهداف صالح المطلك وطارق الهاشمي، مما اضطر القائمة في النهاية للتراجع عن هذا القرار، ثم تأكد فشلها في جمع الأصوات اللازمة لسحب الثقة عن رئيس مجلس الوزراء حين امتنع العديد من نواب القائمة عن تأييد طلب سحب الثقة، مما أفشل هذه العملية التي كان يمكن أن تعيد شيئا من التوازن إلى العملية السياسية برمتها. هذا الفشل المتكرر الذي أنتج سخطا واضحا من جمهور القائمة، السني بمجمله، انتهى إلى تفتيت القائمة إلى ثلاثة تشكيلات أساسية: كتلة تضم رئيس القائمة إياد علاوي وأعضاء الوفاق الوطني، وكتلة تضم أسامة النجيفي ورافع العيساوي ومجموعة طارق الهاشمي فضلا عن المنشقين عن جمال الكربولي، وأخيرا كتلة ثالثة تضم صالح المطلك و مجموعة جمال الكربولي.
من جانب آخر كانت هناك شخصيات سنية أخرى، سياسية وعشائرية ورجال دين، يتم "تصنيعها"، ودعمها بالمال السياسي وتقديم المكرمات والتسهيلات (توظيف، إطلاق سراح معتقلين، مقاولات .. الخ)، من أجل الدخول في انتخابات مجلس النواب 2014 على أمل الحصول على بعض المقاعد النيابية. فقد عمد رئيس مجلس الوزراء منذ بداية عام 2011 إلى دعم مجموعة من شيوخ العشائر، وبعض السياسيين الذين فشلوا في الوصول إلى مجلس النواب، فضلا عن شخصيات أخرى كانت متهمة بالإرهاب، أو بالفساد، أو مشمولين بالاجتثاث، أعيد إنتاجها سياسيا لتدخل إلى المنافسة.
هذا التشتت داخل القوى السنية دفع السيد المالكي إلى اعتماد ستراتيجية جديدة للعودة مرة ثالثة رئيسا للوزراء، فمحاولة سحب الثقة التي دفعت العديد من نواب القائمة العراقية، وبشكل خاص بعض نواب محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى التي تضم مناطق متنازع عليها مع إقليم كردستان، إلى رفض التوقيع على طلب سحب الثقة لأنهم وجدوا أن مواقف المالكي ذات النزعة شديدة المركزية في مواجهة إقليم كردستان، وخطابه "القومي" المستحدث، يمكن لها أن تعيد صياغة العلاقة غير المتوازنة بين محافظاتهم والإقليم، وأن أي تصعيد محتمل لحدة هذه المواجهة يمكن لها أن تدفع جمهور هذه المحافظات إلى تعديل خياراتهم باتجاه هؤلاء النواب القريبين من المالكي. فضلا عن التفاهمات الصريحة والضمنية التي كانت تتطور ببطء بين جمال الكربولي والسيد المالكي، وتمكن الأول من إقناع صالح المطلك بالانضمام إليه، مع الشخصيات التي تم تصنيعها،كل ذلك جعل السيد المالكي يعتقد أن بإمكان هذه المجموعة أن تحصل على أصوات سنية تتيح لها الدخول إلى مجلس النواب القادم، وتتيح له أن يستغني عن أصوات التحالف الكردستاني في العودة إلى ولاية ثالثة من جهة، وفي تشكيل حكومة "أغلبية سياسية" تكون فيها هذه القوى السنية ممثلة للمكون السني .
ولكن الحراك الأخير أطاح بهذه الستراتيجية تماما، فاضطر البعض من المجموعات المتقدمة ممن اعترض على هذا الحراك في البداية وشكك فيه، أن يصمت أو أن يختفي من الصورة، واضطر آخرون إلى المزايدة على مواقف الأطراف المؤيدة لهذا الحراك. ولكن أغلب هؤلاء بات يشعر بأنه أصبح خارج اللعبة تماما، وكانت طريقة طرد المتظاهرين في الرمادي لنائب رئيس الوزراء صورة رمزية لنهاية هذه الستراتيجية. ومن هنا، فان المحصلة الأبرز لهذا الحراك، بعيدا عن مسألة تحقق المطالب من عدمها، إنما يتركز في إعادة رسم الخريطة السياسية السنية باتجاه قائمة رئيسية هي قائمة "متحدون"، فضلا عن شخصيات أخرى، أكثر راديكالية ستنتجها التظاهرات نفسها، وهذه الخارطة الجديدة سيكون لها تأثيرها اللاحق على طبيعة العلاقة مع "الآخرين" بالضرورة.
إن أزمة النظام السياسي العراقي، لن تتيح بأي حال من الأحوال تنفيذ مطالب المتظاهرين، فمنطق الصراع الذي ما يزال يحكم العملية السياسية في العراق، سيجعل القابضين على السلطة حريصين على الحفاظ على مكاسبهم مهما كانت التكلفة. لذلك لم نجد أي إرادة سياسية للتعاطي بعقلانية مع أي من المطالب الثلاثة عشر التي رفعها المتظاهرون، والتي قرئت في مجلس النواب العراقي. وهذا ما تكشفه جملة الستراتيجيات التي اتبعها رئيس مجلس الوزراء السيد نوري المالكي في مواجهة الحراك الجماهيري حتى الآن. فقد بدأها بسياسة الوسطاء عبر القيادات السنية القريبة منه، وكان من ضمن هذه الستراتيجية تشكيل ما أطلق عليه "لجنة الحكماء" التي ضمت بعض المشايخ السنة المحسوبين على السيد المالكي (مهدي الصميدعي وخالد الملا) والتي انتهت إلى تأكيد الرواية الرسمية حول عدم وجود أية عمليات اغتصاب للسجينات في السجون العراقية التابعة لوزارة العدل، على الرغم من أن معظم ادعاءات الاغتصاب كانت تتعلق بالسجون غير القانونية التي تتبع وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز مكافحة الإرهاب ومكتب القائد العام للقوات المسلحة! ولكن هذه الستراتيجية انتهت عمليا مع رفض المتظاهرين في الأنبار استقبال الدكتور صالح المطلك نائب رئيس مجلس الوزراء. ثم ستراتيجية المواجهة والتهديد من خلال اتهام التظاهرات بأنها "فتنة" مدعومة من قوى إقليمية، وأنها "ليست تظاهراً بل هي عصيان وقطع طريق وضرب مصالح الناس"، وإن الشعارات التي رفعها المتظاهرون "نتنة"، والمطالب التي تقدموا بها هي "عملية انقلاب كاملة"، ومن ثم هدد بإنهاء التظاهرات والاعتصامات التي وصفها بالـ "الفقاعة" بالقوة " أو كما قال: "أقول لهم انتهوا قبل أن تنهوا بإرادة الحكومة...". [لقاءات تلفزيونية مع قناتي السومرية والعراقية يوم 30/12/2012]. ولما فشلت هذه السياسة في تخويف المتظاهرين، لجأ المالكي إلى ستراتيجية أخرى تمثلت في تشكيل ما أطلق عليه اللجنة الوزارية السباعية يوم 8/1/2013، أي بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أسابيع على بدء التظاهرات! برئاسة نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني وعضوية وزير العدل (دولة القانون) ووزير الدفاع (محسوب على المالكي) ووزير حقوق الإنسان (دولة القانون) ووزيري الموارد المائية والبلديات والأشغال العامة (كلاهما من التيار الصدري) ووزير الدولة لشؤون مجلس النواب (دولة القانون) والأمين العام لمجلس الوزراء (دولة القانون) ووكيل وزارة الداخلية (دولة القانون). انسحب منها لاحقا الوزيران الصدريان متهمين اللجنة بعدم المهنية في إصدار القرارات، مما يجعلنا في النهاية أمام لجنة تنتمي بالكامل إلى كتلة رئيس مجلس الوزراء! واقتصر عمل اللجنة حتى الآن على إطلاق سراح متهمين قضوا في السجون سنوات وثبتت بعد ذلك براءتهم، أو متهمين بُرئوا من التهم الموجهة ضدهم، ورفع الحجز عن 4200 عقار محجوز تعود لبعثيين سابقين، وإحالة 2639 مشمولا بقانون المساءلة والعدالة إلى التقاعد، وإحالة ملفات 28 ألف مشمول بالمساءلة والعدالة إلى دائرة التقاعد، وإيقاف أوامر القبض المبنية على إفادات المخبر السري، وهي كلها نتائج لممارسات غير قانونية، من دون أية معالجة للأسباب التي أدت إليها، وهو ما طالب به المتظاهرون. فالدستور والقوانين النافذة لا تتيح احتجاز الأشخاص لمدة سنوات من دون محاكمة، ولا تتيح للسلطة التنفيذية احتجاز الأشخاص في المعتقلات غير القانونية التي تتبع وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز مكافحة الإرهاب ومكتب القائد العام للقوات المسلحة. وقد نص قانون المساءلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008 صراحة على إحالة الموظفين المشمولين بإجراءاته إلى التقاعد فور نفاذ القانون، وأعطى للهيئة مدة ستين يوما فقط للبت في حالة الاعتراض، ولكن القانون لم ينفذ بعد 5 سنوات من إقراره، كما لم يتحدث القانون عن أي حجز للأموال المنقولة وغير المنقولة للمشمولين بإجراءاته، ولكن السلطة التنفيذية استخدمت القرارين 76 و88 الصادرين عن مجلس الحكم بكثير من التوسع، والمخبر السري سيظل سيفا مسلطا من دون معالجة تشريعية حقيقية له. ومن ثم لا ضامن لعدم عودة هذه الممارسات غير القانونية مرة أخرى، خاصة وأنها جاءت على شكل مكرمة من رئيس مجلس الوزراء الذي كثيرا ما ذكر أن هذه المسائل ليست بيده وإنما هي بيد القضاء! أما القول بأن البعد التشريعي المتعلق بإلغاء أو تعديل القوانين ذات الصلة هو من شأن مجلس النواب كما أعلن ذلك السيد المالكي وأعضاء دولة القانون، فهذا تدليس محض، لأنه سبق للمحكمة الاتحادية أن عطلت قدرة مجلس النواب على التشريع عندما قررت (القرار رقم 44 لسنة 2010) أن مقترحات القوانين التي يقدمها أعضاء مجلس النواب يجب أن تمر عبر قناة السلطة التنفيذية، بل عبر مجلس الوزراء حصرا، لتتحول إلى مشروع قانون. وإلا فهي غير دستورية. وقد أبطلت المحكمة الاتحادية على إثر ذلك قوانين شرعها مجلس النواب لأنها لم تمر على مجلس الوزراء قبل تشريعها! ومن ثم، فإن الفاعل الرئيسي هنا هو مجلس الوزراء وليس مجلس النواب، وهو وحده القادر على تقديم مشاريع القوانين التي من شأنها الاستجابة لمطالب المتظاهرين، من خلال إلغاء قوانين أو تعديلها.
أما الستراتيجية الأخيرة التي لجأ إليها المالكي في مواجهة التظاهرات فكانت محاولة فك الارتباط بين التظاهرات والقائمة العراقية، ففي الوقت الذي يزعم فيه أنه يتعامل بجدية مع مطالب المتظاهرين، نجده يعطي إجازة إجبارية لوزراء القائمة العراقية السبعة؛ وزراء المالية، والزراعة، والتربية، والكهرباء، والصناعة والمعادن، والعلوم والتكنولوجيا، ووزارة الدولة لشؤون المحافظات (وزارة الاتصالات التابعة للقائمة العراقية ما زالت شاغرة بعد استقالة وزيرها محمد علاوي في وقت سابق)، ويعين وزراء بالوكالة لإدارة هذه الوزارات في خطوة تفتقد أي غطاء قانوني. والطلب من المتظاهرين في الوقت نفسه ترشيح أشخاص عنهم للتفاوض مع الحكومة، الأمر الذي يقطع الطريق على القائمة العراقية في موضوع التفاوض باسم المتظاهرين.










