TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الدين يرحل وتبقى أمراض الناس

الدين يرحل وتبقى أمراض الناس

نشر في: 23 فبراير, 2013: 08:00 م

فتح اعتقال أحمد القبنجي الباب واسعا أمام مناقشة الكثير من المواضيع المهمة، ومنها الحق بالاختلاف وما يتعلق به من حقوق والتزامات وما يثيره من حساسيات، خاصة وان القبنجي صارخ في اختلافه وحاد جدا في طرح وجهة نظره، الأمر الذي جعلني -من ضمن مجموعة من الكتاب العراقيين- اختلف معه في بعض وجهات نظره. لكن لفت نظري ردود افعال بعض الإسلاميين على مطالبتنا السلطات الإيرانية بالإفراج عنه، فردود الفعل هذه لم تكشف عن رفض مجتمعنا للحق بالاختلاف، ولا عن تعاملها بقسوة مع المختلف، بل فوق ذلك عدم تمييزها بين حق المجتمع بالدفاع عن معتقداته وبين انتهاكه لحقوق أفراده. فإذا تذكرنا بأن الموروث الإسلامي أكد على هذا التمييز، قفز إلى أذهاننا سؤال طالما اهتممت به من خلال كتاباتي، سؤال يتعلق بقدرة الأديان وبقية الإيديولوجيات الإصلاحية على ترسيخ مبادئها في أذهان الناس. فهذا الإمام علي يشرف بشكل مباشر على حماية حقوق ابن ملجم، قاتله، ويوصي ابنه الحسن بأن يحسن معاملته ويعتبره أسير حرب وليس قاتلا، وهذا مجتمعنا الذي يقدس أغلب أفراده علي ابن أبي طالب لم يتأثر لا بهذه الحادثة ولا بغيرها من الحوادث التي تثقف الناس على مراعاة حقوق غيرهم. رسالة علي وصلت للمعترضين على دفاعنا عن القبنجي لكنهم ضربوا بها عرض الحائط، ما يثبت بأن الدين لا يصلح الفاسدين، وأن المؤمنين به ينتقون منه ما ينسجم مع مصالحهم وعواطفهم، ويدوسون بقيته تحت أقدامهم.

الدين لعق على الألسنة، هذا ما قاله الإمام علي قبل أكثر من الف سنة وهذا ما اثبته التاريخ ويثبته الآن من يطالبنا بإهمال القبنجي عقوبة له على اختلافه. مارس القبنجي حقه بالاختلاف وهو حق مكفول دستوريا، وعلى إسلاميي العراق أن يحترموا دينهم - الذي حاول أن يعلمهم تقديس حقوق الناس - ولا يتخذوا من اختلافه ذريعة لتثبيط همم المدافعين عن عراقيته المنتهكة في ايران.

بعض "إسلاميي اليوم" لا يهملون تراث أئمتهم، أمثال الإمام علي، بل ويتشبثون بالتراث الذي تركه طغاة قريش، وإلا ما الفرق بين تعامل أولئك الطغاة مع اختلاف النبي محمد وبين تعامل إسلاميي اليوم مع أي مختلف معهم بالرأي. لقد حاول الإسلام، كما الأديان الأخرى، تخليص البشر من طغيانهم، لكن التاريخ يثبت أن الطغيان أحب إلى الناس من الدين ومقدساته.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. عدنان الساعدي

    استاذ سعدون انا من متابعيك ودائماً أقرأ ما تكتب لكن لي سؤال حيرني لماذا الكل انتفض بالدفاع عن هذا المعتوه الشاذ حتى ممكن جنسياً لكن لم نسمع باحد منكم أو من القنوات التي تدافع الآن عليه بذكر المعتقلين في السعودية أو الاردن أو حتى في ايران غير هذا المفتري

  2. بهاء الموسوي

    محبة للزمبل الاعلامي سعدون ضمد المحترم .. واقدر واثمن عاليا موقفه ودعمه ومساندته لاطلاق سراح الاستاذ القبنجي .. الفكر .. فكر ومهما اختلفنا معه ننقاشه بالفكر والمنطق والحوار .. كما قال قرأنكم وجادلهم بالتي هي احسن .. لكنكم لا تملكون عقول صادروها لكم اصحاب

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram