TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > اجتثاث شيوعيّ

اجتثاث شيوعيّ

نشر في: 23 فبراير, 2013: 08:00 م

من الغريب جداً أن تلاحق إجراءات اجتثاث البعث عضواً سابقاً في الحزب  الشيوعي العراقي  المدرس  المتقاعد من المهنة والعمل السياسي "أبو زيدون" ، حينما كلفه نجله المقيم في السويد بشراء قطعة ارض في أطراف الكرخ ،  وأثناء  مراجعته دائرة تسجيل العقار ،  لاستكمال معاملة الحصول على قرض صندوق الإسكان  ،  اصطدم بإجراءات الاجتثاث عندما أخبره المسؤول بأن قطعة الأرض ومساحتها 125 مترا مربعا وزعت  بين منتسبي جهاز المخابرات السابق ، وعليه الانتظار لحين وصول  التعليمات .
"أبو زيدون" ارتفع لديه ضغط الدم، وسارع  بالتوجه إلى طبيبه الخاص في حي البياع رفيقه السابق في الحزب لإنقاذه من التعرض إلى جلطة محتملة وإيجاد علاج سريع  للتخلص من ملاحقة الاجتثاث،  استغرقت مدة العلاج أكثر من ساعة ، وتخللها حديث عن الأوضاع السياسية ، واستذكار سنوات العمل السياسي منذ مطلع الخمسينات ، يوم كان الرجلان  متمسكين   بفكرة التوجه نحو إقامة نظام اشتراكي في العراق  والإيمان بتحقيقها  رغم أنف الإمبريالية ،    والعمل على إيصال إنشاء بنية تحتية متطورة    من فقراتها كهربة الريف ،  ومنح المرأة كامل حقوقها ، والقضاء على الأمية ، والتفاوت الطبقي ،  وحديث  الرفيقين السابقين  تناول أيضا  عملهما  وسط الفلاحين وكيف واجها صعوبة في   تعليمهم النشيد الأممي.
 اضطر أبو زيدون إلى مراجعة هيئة المساءلة والعدالة ، وهذا لم يخطر في باله مطلقا ، للحصول على استثناء وكتاب رسمي موجه إلى دائرة العقار لإنجاز معاملته ،  والتأكد من وصول قرارات اللجنة السباعية الوزارية  بخصوص رفع الحجز عن عقارات منتسبي الأجهزة الأمنية المنحلة إلى الجهات المعنية لغرض المباشرة بتنفيذها.
الرجل  أخفى خبر عرقلة معاملته عن شريكة حياته وأبنائه وأحفاده ونجله المقيم في السويد ، لأنه يخشى أن يتعرض للمساءلة والعدالة  من قبل زوجته  المعترضة أصلا . وبعد عام من الزواج على عمل أبي زيدون السياسي ،  لأنها استشرفت تعرضه للسجن والملاحقة من رجال أمن  السلطة ، وكانت تعتقد بأن حلم زوجها في إقامة نظام اشتراكي في العراق لن يتحقق ، وهذا ما حصل فعلا ، وكانت من نتائجه إصابة أبي زيدون بأمراض مزمنة.  
  متابعة  الرجل لأخبار اللجنة الوزارية  السباعية  المختصة بإصدار القرارات والتعليمات والإجراءات المتعلقة بالاجتثاث أثارت انتباه الزوجة  ، لأن الأمر لا يعنيه ، فهو لم يكن مؤيدا أو نصيرا أو عضو فرقة أو شعبة ، أو أحد منتسبي الأجهزة الأمنية المنحلة  وعندما سألته عن سبب الاهتمام كشف لها السر  لعلها تساعده في تخفيف الأعباء من معاناة جديدة لم تكن بالحسبان .
 جاء رد الزوجة خارج توقعات أبي زيدون ،   لتخليها عن عادتها في لومه  في مواقف مماثلة، فأعلنت تضامنها   بتوجيه عتابها إلى المسؤولين واللجنة السباعية والخماسية  ، والإجراءات الرسمية لفشلها في إنصاف المتضررين ، والدفاع عن حقوقهم ، فارتفع صوت أم زيدون  حتى سمعه الجيران "عساكم بالاجتثاث من صغيركم لجبيركم ".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram