(1-5) ملاحظة : نشرت هذه الدراسة مؤسسة "هاينرش بول" الألمانية بعد أشهر من انطلاق تظاهرات شباط باللغة الإنكليزية، وكان من المقرر أن تنشر كفصل في كتاب (الشعب يريد) عن دار نشر بنغوين البريطانية، ونعيد نشرها من دون تغيير. قالت لي زميلتي ال
(1-5)
ملاحظة : نشرت هذه الدراسة مؤسسة "هاينرش بول" الألمانية بعد أشهر من انطلاق تظاهرات شباط باللغة الإنكليزية، وكان من المقرر أن تنشر كفصل في كتاب (الشعب يريد) عن دار نشر بنغوين البريطانية، ونعيد نشرها من دون تغيير.
قالت لي زميلتي الناشطة المدنية فيان الشيخ علي "إنه على قيد الحياة ..أو كأنه يتحرك أو يتكلم".
كنا قد رفعنا لافتة تطالب بـ"إصلاح النظام" تحته تماما، ولم يكن يخطر على بالنا أن نتأمل بعمق القطع الـ14 من المصبوبات البرونزية المنفصلة التي يتكون منها والتي تحكي قصة العراق منذ بدء التاريخ.
أضافت فيان "ربما لأنه بقي صامتا ومهملا منذ تشييده حتى هذه اللحظة".
تأملت هذا النصب الذي شيده النحات الراحل"جواد سليم" وكأني منجذب له تماما وأسير لسحره القديم. كان قد بدأ يتآكل بفعل العوامل الجوية ودويّ الانفجارات اليومية في بغداد، ولكنه الآن بدا كمن استيقظ بعد سبات طويل.
كان أشبه بقطعة فنية منقطعة عن الزمان والمكان، أو كأنه مجموعة رموز أُسيء استخدامها أو تفسيرها من قبل الأنظمة السياسية المتعاقبة، وعلى حد تعبير فيان "كأن هذه الرموز انتظرت طوال هذه المدة لكي تكتسب معنى جديدا مع الجماهير التي تحتشد تحتها وتعيد تفسيرها".
كنت أتنقل بين المتظاهرين المحتشدين تحت هذا النصب وأنا أستمع بشغف إلى شروح "نعمان منى" وهو مهندس معماري مقيم في بريطانيا، عاد للعاصمة لكي يشارك الشباب "نشوتهم ببعث الحياة في هذا النصب الخالد".
كنت اشعر بأنني أنظر للمكان ذاته من نافذتين : نافذة الذاكرة ونافذة الحاضر، فمن نافذة الذاكرة كنت أطل على آخر حفل جماهيري في هذا الميدان العام، ففي مثل هذه الأوقات الصاخبة بالتحولات وبتاريخ 27 كانون الثاني 1969 شنقت حكومة البعث التي جاءت إلى السلطة بانقلاب عسكري تسعة من اليهود بينهم شاب في السادسة عشرة من العمر، بدعوى كونهم جواسيس لإسرائيل، وعرضت جثثهم باحتفال دموي أرسل رسالة إلى العالم الخارجي تبين أن النظام الجديد تبنى خطا متشددا في سياسته الخارجية، ورسالة إلى الداخل من أنه لن يتوانى عن إنزال القصاص بمواطنيه في الساحات العامة إذا ما تجرأوا على تحديه.
دشن ذلك الاحتفال الدموي دخول البلاد حقبة الأيديولوجيات الراديكالية التي تتاجر بالكراهية، والمواجهة مع العالم الخارجي التي انتهت بإسقاط نظام صدام 2003.
أما الآن فإن هناك احتفالا آخر يعبر عن مواجهة جديدة بين جماهير تتوق للإصلاح وحكومة تراقب الأمور بحذر، وفي وقت كان فيه المتظاهرون يصوغون الشعارات ويتبادلون الرسائل في الموبايلات ويحشدون للتظاهرة على صفحات "فيس بوك" كانت فرق عسكرية ووحدات مكافحة الشغب والشرطة الوطنية وبعض مديريات وزارة الداخلية من شرطة النجدة والمرور تتأهب أيضا بقوة لم نشهدها من قبل وكأنها ستواجه عدواً ينتظر خارج أسوار المدينة.
تنقلت بنظري بين الشعارات والأعلام العراقية، لم يكن هناك علم أميركي أو إسرائيلي ليحرق، لم تكن هناك سوى الرغبة لبناء الداخل بعد عقود من متاجرة الأنظمة السياسية بمعارك خارجية وهمية لكي تغطي على فشلها بالإصلاح الداخلي، وتؤجل قضية الديمقراطية إلى ما لانهاية.
إن التاريخ الفاصل بين إعدام المواطنين اليهود في ساحة التحرير قبل اثنين وأربعين عاماً وهذه اللحظة التي انطلقت فيها الجماهير لتحرر نفسها من لعنة الأيديولوجيات، لم يكن مجرد انتقاله سريعة من نافذة الذاكرة إلى نافذة الحاضر، فقد تخلل ذلك الزمن ثلاث حروب : الحرب مع إيران 1980-1988 وحرب تحرير الكويت 1991 وحرب احتلال العراق 2003، وحصار اقتصادي امتد ثلاث عشرة سنة 1990-2003، وحرب أهلية اشتعلت بين السنة والشيعة في 2006، ومع وجود احتلال أميركي، وبعد دمار المجتمع المدني وتفكك الطبقة الوسطى والنسيج الاجتماعي للبلد، فإن مجرد رؤية هذه الشعلة الحية في وجوه الشباب تنبعث من رماد الحروب والدمار كان كافيا لي كي أكون سعيدا، وأن أعلن عن سعادتي بالرقص في الساحة، أو بالغناء مع زملائي.
ولكن قبل ذلك ينبغي أن أسأل : في أي عالم كان هؤلاء الشباب يعيشون؟ ولماذا أرادوا تغييره؟
بغداد لن تكون قندهار
كانت المساعي للتضييق على الحريات العامة في البلاد ماضية دون رادع، وكلما حاول الناشطون المدنيون تنظيم تظاهرات ضد هذه المساعي كانوا يصطدمون بتفسير تعسفي للقانون، حيث كان لازما الحصول على ترخيص قانوني للشروع بتظاهرة، في حين لا يفهم من منطوق المادة الدستورية التي تبيح كفالة الدولة لحرية التعبير والتظاهر سوى الإبلاغ عن التظاهرة (المادة 38 من الدستور).
ومثال هذه المساعي لتحويل البلاد إلى دولة دينية على نمط إيران أو أفغانستان قرار منع مجلس محافظة بابل انطلاق مهرجان بابل للفنون الشعبية بسبب عدم رضا بعض رجال الدين عن عروضه الفنية التي عُدت مخالفة للتقاليد الدينية بما تتضمنه من رقص.
وفي البصرة أيضا مُنعَ الناس من الخروج للتظاهر بعدما حرم مجلس المحافظة سيركاً فرنسياً من تقديم عروضه بسبب عدم رضا بعض رجال الدين عن فعاليات السيرك التي عدوها خروجا على التقاليد الإسلامية، كما كان هناك غضب من صدور فتاوى بعض رجال الدين بمنع الاختلاط بين الجنسين في المدارس الابتدائية، وإغلاق الأندية التي تعد المتنفس الوحيد للشباب في المحافظات الجنوبية.
وتمثلت إحدى الصور للتضييق على الحريات في القرار الذي اتخذه مجلس محافظة بغداد بإغلاق الملاهي الليلية والبارات في العاصمة. لذا انطلقت التظاهرات العفوية في بعض أرجاء البلاد امتدادا لمثيلاتها في تونس ومصر في إطار الدفاع عن الحريات العامة، وكانت الشعارات تتضامن مع الثورات العربية وتحذر من نتائجها على السلطات، ووسط هذه الشعارات برز شعار "بغداد لن تكون قندهار" للرد على محاولات أسلمة المجتمع بالقوة، وتدريجيا تحول هذا الشعار إلى عنوان رئيس لصفحة الشباب على فيس بوك، بعد أن كانوا يستخدمون صفحاتهم الشخصية للدعوة إلى التظاهر، ردا على طرد السيرك الفرنسي من البصرة أو منع مهرجان بابل أو غيرهما من الممارسات.
وحين بلغت الثورات العربية عنفوانها، انطلقت صفحتهم للتضامن مع بقية الثورات.
أحد مؤسسي هذه الصفحة شاب يبلغ من العمر 28 عاما هو "بسام عبد الرزاق" خريج أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، يقول بحماسة واصفا تلك اللحظات "لم يتحرك الآباء ليخلصونا من هذه الأنظمة، لذا جاء الوقت الذي نتحرك فيه ونتمرد".
هذا الشاب المفعم بالحيوية والذي يطلق عليه أصدقاؤه من شباب شباط لقب "بسام السينمائي" تعلم درس الانتفاضات العربية جيدا، وكان متابعا شغوفا لأخبارها، يصف هذا الشغف بقوله "كنت أسهر حتى الصباح مع أخبار الربيع العربي وأنام تاركا التلفاز شغالا، لقد كنت مهووسا بالواقع الشبابي الجديد الذي عبرت عنه الثورات".
وكان يتعلم المزيد من تقنيات المواجهة من خلال الاتصال عن طريق فيس بوك بالمحتجين في أرجاء المنطقة "تعلمنا من السوريين كيف نواجه الغاز المسيل للدموع بأن نستخدم قماشة مبللة بالخل، وكنا نصحب معنا إلى الساحة عدة من القماش وقنينة خلّ لهذا الغرض" ويضيف واصفا جو التعاطف العام مع أقرانه في مصر "كنت على اتصال بالموبايل في ميدان التحرير بمصر بممثلين عن جبهة الحراك الشعبي، وكنا نبلغهم ببيانات التضامن التي كنا نعلنها بالتزامن مع تحركاتهم، وقبل ذلك نظمنا تظاهرة أمام السفارة التونسية لتأييد شباب انتفاضة تونس".
أما زميله "شاكر الداغستاني" 24 عاما وهو طالب يدرس علوم الحاسبات، فقد كان يتابع الثورة في تونس ومصر لحظة بلحظة، يقول "خرجنا بتظاهرة تأييدا لمصر وتونس، بدأنا من شارع المتنبي وانتهينا إلى ساحة التحرير"
وكانت إحدى اللحظات المفصلية التخطيط لتظاهرة في عيد الحب المصادف 14 شباط.، إذ كانوا يريدون الانطلاق من هذا العيد البعيد عن أي توظيف سياسي أو ديني لرفض الواقع، فتظاهرتهم تطالب بالحب في عالم لا يحفل بمشاعرهم، "ليس لدينا حب أو سلام أو حقوق" كما يقول شاكر متذمرا.
ووسط المطالبة العريضة بالحب أصدر الشباب بيانا تضمن مطالب فورية، منها إقالة أمين العاصمة بسبب عدم تحقيقه أي إنجاز يذكر لمدينتهم الحبيبة. ولم يفكروا حينذاك بمطالب أخرى، حيث كان شعار "إصلاح النظام" لا ينطوي على مطالب محددة ، بل يدور حول واقع إصلاح الفساد وتحسين الخدمات. ومنذ ذلك اليوم عرف هؤلاء الشباب أنفسهم باسم شباب 14 شباط .
حين نجحت تظاهرتهم الشبابية الخالصة في ساحة التحرير بالإعلان عن مطالبهم باسم الحب..".أحسسنا بأننا ندخل إلى عالم جديد، فهذه أول تظاهرة منظمة بشعارات محددة وتنظيم دقيق، وشعرنا بأننا مطالبون بالتفكير على نحو اشمل... فبدأنا بالتخطيط ليوم 25 شباط". هذه هي الانتقالة المهمة التي يحددها شاكر وهو يلمس زجاج نظارته الطبية بإصبعه.
انطلقوا للعمل الميداني، يزورون الناس، يلتقون بشباب آخرين، يتحركون من مكان إلى آخر ومن حي إلى حي، وبعكس زميله بسام يقلل شاكر من دور فيس بوك في التحشيد ، إذ يقول "كان فيس بوك مجرد أداة تواصل ووسيلة إعلام للدعاية ونشر البيانات وتعرف ببقية المجموعات، لكن التحشيد الأكبر للتظاهرة كان عن طريق العمل الميداني"
وكانت بغداد وقتذاك تمور بالغضب، إذ بدأت الشرارات الأولى تنطلق من بعض الأحياء الفقيرة المهملة، مثل أحياء الحسينية والكريعات شمالي بغداد التي شهدت تجمع مئات من المتظاهرين من سكنة هذه الأحياء مطالبين بإقالة المسؤولين المحليين وتحسين الخدمات، وفي حي بوب الشام حمل المتظاهرون نعشاً كتب عليه كلمة "الخدمات".
أما في مدينة البصرة الغنية بالنفط جنوبي البلاد، فبدأت أصوات المطالب تعلو بمحاربة الفساد، وحمل المتظاهرون بطاقات صفراء مثل تلك التي يستخدمها الحكام في مباريات كرة القدم في إنذار اللاعبين قبل طردهم، وكانت موجهة إلى المحافظ وبعض المسؤولين المحليين.
وكذلك كان الامتعاض يتصاعد في الأحياء الشعبية في بقية المحافظات بسبب انعدام الخدمات ،فشهد شهر شباط تظاهرات في مدن :الكوت والديوانية والبصرة وسط وجنوبي البلاد، والأنبار غربيها، وتظاهرات أخرى متفرقة في عدد من المدن العراقية. وبدأ النقد الذي يمارسه الناس في أحاديثهم اليومية للتضييق على الحريات العامة والفساد ورواتب البرلمانيين الخيالية يتحول إلى شعارات تردد ولافتات ترفع.
لكن الأهم أن انطلاق التظاهرات كسر قيد الحصول على ترخيص قانوني للتظاهرات، والذي كان السبب في منع مئات التظاهرات في الأعوام السابقة.
وكان يبدو من التحركات السياسية السريعة أن هناك محاولات لقراءة الحراك الشعبي ورغبة في احتوائها، فأصدر رئيس الوزراء "نوري المالكي" توجيهاً بخفض راتبه الشهري إلى النصف، وإعادته لحساب خزينة الدولة، اعتباراً من شهر شباط 2011. وهو ما يشبه الاعتراف بالهوة الكبيرة بين رواتب السياسيين وكبار المسؤولين بالمقارنة مع بقية شرائح المجتمع من صغار الموظفين والفقراء، إلا أن هذه المحاولة لم تنجح كثيرا في امتصاص سخط وغضب الشارع العراقي على الأوضاع المعيشية والخدمية المتردية.
فضلا عن صدور مقترحات من قبل رئيس البرلمان وأحزاب وشخصيات سياسية لإعادة النظر بمرتبات المسؤولين الكبار في الدولة، وتخفيض ميزانية الرئاسات الثلاث : رئاسة الجمهورية، رئاسة الوزراء، رئاسة البرلمان التي تصل إلى نسبة كبيرة من ميزانية الدولة.
وكان موعد جمعة الغضب يقترب ومعه تتصاعد المخاوف والآمال. وقبل 24 ساعة من انطلاق التظاهرة اتصل بي الصديق "جمال الجواهري" عضو جمعية الأمل العراقية ليخبرني أن رئيس الوزراء يطلب اللقاء بقيادات المجتمع المدني.
اعتذرت عن الذهاب قائلا : سوف يرى مطالبنا في ساحة التحرير، وإنني لا أستطيع الظهور في لقاء مصور مع رئيس الوزراء في وقت مفصلي، وفي صورة تنعكس سلبا على زملائي من الشباب بسبب حساسيتهم العميقة تجاه أي سياسي.
ولكني كنت واثقا من أن زملائي في "المبادرة المدنية للحفاظ على الدستور" وغيرهم من قيادات المجتمع المدني سيحملون رسالة قوية في لقائهم المرتقب. وبالفعل حمل زملائي هذه الرسالة القوية وكانت مطالبهم في غاية الوضوح والدقة، واستشهدوا بأرقام عن مستويات الفقر والبطالة والفساد الحكومي، وبعد أن استمع إليهم رئيس الوزراء بتهذيب قدم لهم بعض الأجوبة، لكنهم ردوا بحزم مطالبين ببرنامج كامل يمتد لسنوات عدة... فقد ملّ الشارع من السياسات الارتجالية ومن التخبط وسوء التخطيط... كانت رسالتهم تعكس ثقة بالنفس: إن نخب المجتمع المدني قد تقدمت بوعيها بأشواط على النخب السياسية التي وصلت إلى أفق مسدود، وإن لديها برنامجا إصلاحيا كاملا إزاء سياسات مرتبكة للحكومة.
سألهم رئيس الوزراء، وهو يقدم رأسه بجبهته العريضة ووجهه الذي لا يعرف الابتسامة، إذا كانوا سيخرجون غداً في التظاهرات فردّوا عليه جميعا : بالطبع سنشارك .
أغضبه ذلك إلى درجة تفوهه بعبارة مستفزة "لا أحترم من يخرج في التظاهرات". وانعكس هذا الاستفزاز والتخبط والخوف في سياسات الحكومة إزاء التظاهرات السلمية ،إذ كانت الأجهزة الأمنية في حالة تأهب كامل ورفعت استعداداتها إلى درجة الإنذار (ج) وهو أعلى درجات الاستعداد في حال مواجهة البلاد لمخاطر مؤكدة أو محتملة.
ومنذ ذلك الوقت انطلقت مواجهة لا تهدأ، في الواقع العياني كما في الواقع الافتراضي بين الحكومة والجماهير. وفي جمعة الكرامة، توجهت إلى ساحة التحرير مع المفكر الإصلاحي "ضياء الشكرجي" وهو أحد أعضاء لجنة كتابة الدستور، والسياسي الوحيد الذي تجرأ على الاستقالة من حزب الدعوة الإسلامية "حزب رئيس الوزراء" ليكون تياره العلماني الخاص. حدثني الشكرجي عن متابعته للقاء قيادات المجتمع المدني مع رئيس الوزراء قائلا : لقد أجبت على عبارة صديقي القديم رئيس الوزراء بمقال كان عنوانه "أنت لا تحترمنا يا رئيس الوزراء...إذاً نحن لا نحترمك"










