TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الأردن بين نارين

الأردن بين نارين

نشر في: 24 فبراير, 2013: 08:00 م

ما أن هدأت حدة الهجمات التي كان يشنها إعلام النظام السوري ضد الأردن، حتّى بادرت أجهزة إعلام مؤيدة للمعارضة إلى الغمز من الموقف الأردني، حد اتهامه بالتواطؤ مع الأسد، وصولاً إلى تهمة التعامل بإهمال مع اللاجئين السوريين إلى الأراضي الأردنية، والذين يقترب عددهم من 400 ألف لاجئ، تعجز حتى الدول الغنية والمقتدرة عن استيعابهم، في حين يعرف الجميع، بمن فيهم معارضو النظام السوري، أن الأردن بلد فقير بكل المقاييس، وأنه يعتمد على المساعدات العربية والدولية لتمشية أموره، وبات أكثر اعتماداً على هذه المساعدات للوفاء باحتياجات الأشقاء السوريين اللاجئين إلى أراضيه.

مؤخراً أخذت الاتهامات شكلاً أكثر حدةً، حين زعمت بعض أجهزة إعلام المعارضة السورية، أن الأردن يزود الجيش النظامي في المناطق الجنوبية من سوريا باحتياجاته من الوقود، وهي تهمة متهافتة يسهل الرد عليها بالقول، إن من أهم أسباب الأزمة الاقتصادية في الأردن الحاجة إلى النفط، الذي يستورد كل احتياجاته منه من الخارج، إضافة لتهمة ملاحقة مؤيدي الثورة، وغض النظر عن نشاطات مؤيدي الأسد، وهنا لابد من الإشارة إلى أن الأردن يخشى من تمكن المتطرفين من السيطرة على الأمور في دمشق، ما يخل بالتوازنات الدقيقة في المنطقة، وهي مخاوف تدفعه لملاحقة أي من أعضاء جبهة النصرة من الأردنيين، الراغبين في القتال ضد الأسد.

لا يعني كل ذلك تغيراً في السياسة الأردنية المعلنة تجاه ما يجري في جارتها الشمالية، فمواقف عمان معروفة منذ اندلاع الأزمة، وهي مؤيدة لمطالب الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، لكنها ترفض أي تدخل خارجي عسكري، بعد أن شهدت نتائج ذلك في العراق، والجيش الأردني يبذل كل جهده لمساعدة اللاجئين السوريين على العبور بأمان، وليس سراً أنه اشتبك أكثر من مرة مع الجيش السوري، لتوفير الحماية لقوافل السوريين، الهاربين من جحيم المعارك في وطنهم، كما أن صانع السياسة الأردنية يقف محايداً تجاه المشاعر الشعبية، سواء كانت مع أو ضد نظام الأسد، فالمتظاهرون يجدون كل الحرية في التجمع أمام السفارة السورية في عمان للتنديد بالنظام، ومؤيدو الأسد أحرار في السفر إلى دمشق لتأييد نظام الممانعة والمقاومة.

ما يهم عمان أن لا يتطاير شرر ما يجري في سوريا إلى داخل حدود الأردن، وأن لا يحسب الأردن نصيراً لأي من الطرفين، فالسفارة السورية في عمان تمارس نشاطها بحرية، حتى وإن تعدى المتعارف عليه دبلوماسياً، وليس بعيداً عن مبناها يقيم رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب، وتتوفر له حماية رسمية خشية استهدافه، والأردن الذي لم يغلق نقاطه الحدودية مع سوريا، يستقبل أيضاً عدداً من المعارضين لنظام الأسد، وهم من غير حملة السلاح، ومن الداعين للتوصل إلى حلول سياسية بالتفاوض، لتجاوز المحنة التي تضرب الشعب السوري من حوالي عامين، فقد فيهما ما يقارب التسعين ألف قتيل.

بين ناري النظام السوري ومعارضيه، يتمسك الأردن بموقف الحياد، وبخيار النأي عن ارتدادات الزلزال السوري، التي تطاول اليوم حدوده مع لبنان، وتقترب من حدوده مع  تركيا التي استعدت لذلك بالباتريوت الأطلسي، وليس مستبعداً أن عمان تأخذ موقف الحياد، لأنها تفكر بدور في حل الأزمة السورية، على أن يتم ذلك بغطاء دولي مدعوم عربياً، ولعل زيارة الملك عبد الله الثاني لموسكو، واجتماعه المغلق مع بوتين خطوة في هذا الاتجاه، في وقت يرجح فيه الكثير من المراقبين أنّ واشنطن سلمت الملف السوري لروسيا. 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram