TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > الازدواجية السياسية

الازدواجية السياسية

نشر في: 25 فبراير, 2013: 08:00 م

الازدواجية تعني انفصام الشخصية ،فهي ذات اتجاهين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ، وتبرز إما بصورة اجتماعية أو بصورة سياسية ، فبعض الأفراد يمارسون سلوكيات اجتماعية متنافرة تنمّ عن فقدان الوعي الإنساني ، أما صورة الازدواجية السياسية فهي ظاهرة سياسية وسلوك

الازدواجية تعني انفصام الشخصية ،فهي ذات اتجاهين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ، وتبرز إما بصورة اجتماعية أو بصورة سياسية ، فبعض الأفراد يمارسون سلوكيات اجتماعية متنافرة تنمّ عن فقدان الوعي الإنساني ، أما صورة الازدواجية السياسية فهي ظاهرة سياسية وسلوكية يتبناها الوصوليون السياسيون المنتفعون من خلال استغلال السياسة لتحقيق مآرب شخصية وجهوية وفئوية بعيدا عن التفكير والتخطيط لتلبية مطالب الجمهور والرأي العام ( الأغلبية السياسية ) .
يحفل تاريخ العراق السياسي بنسبة مرتفعة في مجال ارتباط البعض بالازدواجية السياسية في ميادين متعددة ؛ فثمة سياسيون بالأمس واليوم يتبعون هذه  السلوكية ، وهو دليل تفاهتهم وبعدهم عن الحكمة السياسية ، لأن طبيعة السياسة الحاذقة تتطلب وضع رؤية مستقبلية منتظمة وهادفة ( ستراتيجية متكاملة ) وتطابق التنظيرات السياسية التي يطلقها السياسيون مع مبدأ تحقيق وبناء دولة الرفاهية والعدالة الاجتماعية ، لكن ما نلاحظه اليوم ضمن إطار الدولة الحالية في العراق أن هذه الرؤية غير واضحة بل يمكن اعتبار الواقع السياسي ضبابيا لا وضوح فيه ، وتبدأ هذه الضبابية من الدستور الذي يبدو أنه عقد اجتماعي هو ما يزال مثار خلاف بين الممسكين بزمام أمور الدولة بسلطاتها الثلاث ، وكذلك تتبدى هذه الازدواجية من خلال الصراع السياسي حول شكل الدولة وجوهرها ، فبعض السياسيين يعتبر ما يدور من صراع سياسي هو بمثابة حالة صحية تشبه الديمقراطية إلى حد قريب ، لكن أية ديمقراطية هذه التي يتذرع بها البعض ؟ هو تبرير ما يدور من نزاع سياسي ليس فقط حول سبل بناء الدولة بل حول كيفية بناء علاقاتها الخارجية ( الدبلوماسية الرفيعة ) ،إذ ينقسم السياسيون انقساما حادا في هذه النقطة ، فاتجاه يدعم شكلا محددا من السياسة الخارجية يركز على تبني علاقات متينة مع دول إقليمية معينة واتجاه آخر يذهب بالعكس ، إذن هما اتجاهان متضادان متنافران ( دولة أضداد ) فكيف السبيل لبناء دولة تحتوي اتجاهات متنافسة متعاونة وثمة تضاد سياسي حاد ؟ وأبرز مثال ما تشهده بعض المناطق من احتجاجات هي موضع استهجان جهات محددة بينما تدعم هذه الاحتجاجات جهات مغايرة كورقة ضغط .
لم يقتصر أمر غياب أو ضعف رؤية الدولة على مشكلة الاحتجاجات بل يمتد إلى التداعيات الأمنية المستمرة التي تشكل هاجسا مخيفا للجميع ، وكذلك ينعكس على طبيعة الخدمات السيئة وعملية البناء والإعمار المتعثرة التي لم تشهد تقدما ملحوظا ملموسا يجعل البلاد على عتبة التقدم والتطور في  المجالات  كافة.
ومن البديهي أن ما يجري من تفاقم للأزمات سببه الازدواجية السياسية التي يتبعها بعض السياسيين التي هي بمثابة ورقة التوت التي تغطي سوءاتهم ،فلو سقطت هذه الورقة فإنهم سيكونون موضع فضيحة أمام الرأي العام ، فمتى يغادر هؤلاء هذه الخانة ؟ ويبدأون مسارا جديدا لبناء هويتهم ودولتهم  بعيدا عن الازدواجية البغيضة ؟
إن الازدواجية في أحسن الأحوال لا تنفع كمبدأ لبناء الشخصية السياسية وشخصية وهوية الدولة ، بل إن توحيد الرؤية السياسية وتطابق مبادئها مع الواقع السياسي والاجتماعي  والتعاطي مع الآخر والاعتراف به والتفاعل السياسي الخلاق بين الجميع هي مبادئ كفيلة بالانطلاق نحو بناء الدولة الرصينة،فهل سيعي بعض السياسيين الدرس جيدا   بدلا من إضاعة الوقت والجهد والمال والدولة ؟!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram