الازدواجية تعني انفصام الشخصية ،فهي ذات اتجاهين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ، وتبرز إما بصورة اجتماعية أو بصورة سياسية ، فبعض الأفراد يمارسون سلوكيات اجتماعية متنافرة تنمّ عن فقدان الوعي الإنساني ، أما صورة الازدواجية السياسية فهي ظاهرة سياسية وسلوك
الازدواجية تعني انفصام الشخصية ،فهي ذات اتجاهين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ، وتبرز إما بصورة اجتماعية أو بصورة سياسية ، فبعض الأفراد يمارسون سلوكيات اجتماعية متنافرة تنمّ عن فقدان الوعي الإنساني ، أما صورة الازدواجية السياسية فهي ظاهرة سياسية وسلوكية يتبناها الوصوليون السياسيون المنتفعون من خلال استغلال السياسة لتحقيق مآرب شخصية وجهوية وفئوية بعيدا عن التفكير والتخطيط لتلبية مطالب الجمهور والرأي العام ( الأغلبية السياسية ) .
يحفل تاريخ العراق السياسي بنسبة مرتفعة في مجال ارتباط البعض بالازدواجية السياسية في ميادين متعددة ؛ فثمة سياسيون بالأمس واليوم يتبعون هذه السلوكية ، وهو دليل تفاهتهم وبعدهم عن الحكمة السياسية ، لأن طبيعة السياسة الحاذقة تتطلب وضع رؤية مستقبلية منتظمة وهادفة ( ستراتيجية متكاملة ) وتطابق التنظيرات السياسية التي يطلقها السياسيون مع مبدأ تحقيق وبناء دولة الرفاهية والعدالة الاجتماعية ، لكن ما نلاحظه اليوم ضمن إطار الدولة الحالية في العراق أن هذه الرؤية غير واضحة بل يمكن اعتبار الواقع السياسي ضبابيا لا وضوح فيه ، وتبدأ هذه الضبابية من الدستور الذي يبدو أنه عقد اجتماعي هو ما يزال مثار خلاف بين الممسكين بزمام أمور الدولة بسلطاتها الثلاث ، وكذلك تتبدى هذه الازدواجية من خلال الصراع السياسي حول شكل الدولة وجوهرها ، فبعض السياسيين يعتبر ما يدور من صراع سياسي هو بمثابة حالة صحية تشبه الديمقراطية إلى حد قريب ، لكن أية ديمقراطية هذه التي يتذرع بها البعض ؟ هو تبرير ما يدور من نزاع سياسي ليس فقط حول سبل بناء الدولة بل حول كيفية بناء علاقاتها الخارجية ( الدبلوماسية الرفيعة ) ،إذ ينقسم السياسيون انقساما حادا في هذه النقطة ، فاتجاه يدعم شكلا محددا من السياسة الخارجية يركز على تبني علاقات متينة مع دول إقليمية معينة واتجاه آخر يذهب بالعكس ، إذن هما اتجاهان متضادان متنافران ( دولة أضداد ) فكيف السبيل لبناء دولة تحتوي اتجاهات متنافسة متعاونة وثمة تضاد سياسي حاد ؟ وأبرز مثال ما تشهده بعض المناطق من احتجاجات هي موضع استهجان جهات محددة بينما تدعم هذه الاحتجاجات جهات مغايرة كورقة ضغط .
لم يقتصر أمر غياب أو ضعف رؤية الدولة على مشكلة الاحتجاجات بل يمتد إلى التداعيات الأمنية المستمرة التي تشكل هاجسا مخيفا للجميع ، وكذلك ينعكس على طبيعة الخدمات السيئة وعملية البناء والإعمار المتعثرة التي لم تشهد تقدما ملحوظا ملموسا يجعل البلاد على عتبة التقدم والتطور في المجالات كافة.
ومن البديهي أن ما يجري من تفاقم للأزمات سببه الازدواجية السياسية التي يتبعها بعض السياسيين التي هي بمثابة ورقة التوت التي تغطي سوءاتهم ،فلو سقطت هذه الورقة فإنهم سيكونون موضع فضيحة أمام الرأي العام ، فمتى يغادر هؤلاء هذه الخانة ؟ ويبدأون مسارا جديدا لبناء هويتهم ودولتهم بعيدا عن الازدواجية البغيضة ؟
إن الازدواجية في أحسن الأحوال لا تنفع كمبدأ لبناء الشخصية السياسية وشخصية وهوية الدولة ، بل إن توحيد الرؤية السياسية وتطابق مبادئها مع الواقع السياسي والاجتماعي والتعاطي مع الآخر والاعتراف به والتفاعل السياسي الخلاق بين الجميع هي مبادئ كفيلة بالانطلاق نحو بناء الدولة الرصينة،فهل سيعي بعض السياسيين الدرس جيدا بدلا من إضاعة الوقت والجهد والمال والدولة ؟!










