هي ليست قصة الدراسة التي حملت عنوان «طرق مستترة للتضليل الإعلامي» التي أعدها للجنة جودة المحتوى والمهنية بمجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون مجموعة من الإعلاميين وأساتذة الجامعات، ولكنها القصة المؤسفة لتعامل صحيفة «الأهرام»
هي ليست قصة الدراسة التي حملت عنوان «طرق مستترة للتضليل الإعلامي» التي أعدها للجنة جودة المحتوى والمهنية بمجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون مجموعة من الإعلاميين وأساتذة الجامعات، ولكنها القصة المؤسفة لتعامل صحيفة «الأهرام» أعرق الصحف المصرية والعربية مع نتائج الدراسة،حيث زجت بأسماء قنوات تليفزيونية وإعلاميين وإعلاميات لم تشر إليهم الدراسة من قريب أو بعيد على حد تصريح الزميل الشاعر عمر بطيشة لجريدة «اليوم السابع» وهو رئيس لجنة جودة المحتوى والمهنية، مؤكدا أن اللجنة معنية أساسا بمراقبة وتقييم أداء القنوات التابعة لتليفزيون الدولة فقط، وخلصت الدراسة إلى ضرورة تدريس الإعلام كمنهج دراسي للتلاميذ منذ الصغر لتحصين الطلاب ضد التضليل، وحتى نقرأ التقرير تفصيلا أتمنى أن يكون قد توقف فعلا أمام أشكال التضليل والتزوير التي يمارسها الإعلام الحكومي نفاقا للحكم الجديد.
وليست واقعة الأهرام إلا واحدة من آلاف الوقائع التي تدل على المنهج المتبع منذ زمن طويل الذي يبدأ بالنفاق الذليل للحكام ، وكانت أشهر وقائعه تلك الصورة المزورة التي غيرت موقع الرئيس «مبارك» ليكون في مقدمة الرؤساء في أحد لقاءاته مع «أوباما» و«محمود عباس» و«نتنياهو» والملك عبدالله ملك الأردن في واشنطن، وكان «مبارك» يأتي في الصورة الحقيقية متأخرا بسبب كبر سنه، وليس انتهاء بالحملة الكاذبة ضد الدكتور «محمد البرادعي» التي شارك فيها عدد من كتاب الأهرام مختلقين وقائع لم تحدث حول مشاركته كمدير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في التحريض على العدوان على العراق بدعوى أنها تمتلك أسلحة نووية، وكانت عملية توريث «جمال مبارك» تجري حينذاك على قدم وساق وشكلت عودة البرادعي إلى مصر تحديا كبيرا لمشروع التوريث بسبب الشعبية التي حظي بها الرجل لدى عودته ومطالبة البعض له بالترشح للرئاسة.
ولم تكن صحيفة «الأهرام» هي وحدها التي انخرطت في حملة التضليل والتلاعب بوعي الجماهير والكذب عليها بل شاركت في هذه الحملة كل مؤسسات الإعلام والثقافة والتنشئة الاجتماعية والدينية التي عملت جميعا في تناغم تام لتسويق مشروعية حكم كان قد فقد شرعيته واقعيا بسبب التدهور العام في حياة وأوضاع الطبقات الشعبية، والانتشار الواسع للفساد الذي اقترن بالاستبداد ونشأت في ظلهما دولة بوليسية لا مثيل لها، وذلك رغم أن إعلام الدولة من المفروض أن يكون ملكا للشعب يعبر عن أحلامه وآلامه تعبيرا موضوعيا.
والتضليل الإعلامي هو واحد فقط من آليات مؤسسة أكبر وأكثر تشعبا في بنية المجتمع وهي مؤسسة التضليل الإيديولوجي التي تتأسس على الأخلاق والدين والأدب والفن والقيم والعادات والتقاليد، وقد نشأت الأخيرة وتراكمت تاريخيا في ظل وكنتيجة للصراعات المعلنة والمخفية في المجتمع الطبقي بمراحله المختلفة، ولأن هذا الصراع التاريخي لم يكن أبدا أحادي الجانب فلم يؤد إلى نتائج متشابهة دائما، لأن القوى الاجتماعية التي تعرضت للاستغلال على امتداد التاريخ أقنانا كانوا أو عمالا زراعيين أو عمالا صناعيين طالما قاومت هذا الاستغلال وأنتجت مقاومتها أفكارا وتصورات ورؤى مختلفة بل ومقيضة لتلك التي أنتجها السادة، ولكن أفكار وتصورات ورؤى المقهورين فضلا عن أنها كانت مهمشة عبر التاريخ فقد أصابتها عدوى التضليل والتجليات الزائفة للوعي التي طالما لعبت أدوارها في تشويه مقاومة الكادحين خاصة حين أنتجت في سياق حركتها الدؤوبة أشكالا مختلفة من العنصرية والتمييز والاضطهاد الديني والطائفي المترتب على الاضطهاد الطبقي، ويكون التضليل سيفا بتارا حين يعمل بنعومة في عقول وقلوب الكادحين من عمال وفلاحين ويكون سلاح الدين في هذه الحالة هو السلاح الأمضى والأشد تأثيرا خاصة في ما يتعلق بتقسيم الله سبحانه وتعالى لأرزاق البشر، وطالما استخدمت القوى الرجعية التأويل الجامد والحرفي للنصوص الدينية لتبرر قوتها الاقتصادية وتحولها إلى قوة أيديولوجية تضليلية هائلة هي منبع الشرعية وغطاؤها.
ومع ذلك، ورغم كل الجهود والحيل وأشكال التلاعب بالوعي استطاعت أقلية عبر التاريخ أن تلتقط المعاني والدلالات العميقة للصراع، وفي عصرنا لعبت ثورة الاتصال دورها في الكشف عن حقيقته، أما الدور الأساسي فكان دائما للنضال الشعبي.
ويبقي السؤال.. كيف يتم إذن تغيير مجتمع مع بقائه خاضعا لمنظومة من التصورات الوهمية تضفي عليه الشرعية؟ وكيف يمكن التحرر من هذه الأوهام بينما تبقى العلاقات الإنتاجية والاجتماعية الاستغلالية التي تنتجها قائمة ومتجددة بل وقوية، بل وهي الآن أشد قوة في الحالة التي تسيطر فيها الإيديولوجيا الدينية، وتتحكم في السلطة قوى شمولية تطبع كلاً من التعليم والإعلام والأسرة ومؤسسات المجتمع المدني بل والمؤسسة الدينية ذاتها بطابعها ولكن الوعي الجديد بحقائق هذا العالم وبطبيعة الصراع الذي يدور فيه الذي تلعب الفضائيات الجديدة دورا في تأكيده ،لذا تصبح موضوعا لعدوان الحاكمين - هذا الوعي الذي يجعل طفلا فقيرا في العاشرة يقول لمذيعة بيضربونا لأننا غلابة».. فالفقر بالنسبة لهذا الفتى الغض ليس شيئا مفروغا منه.. وموقف الفتى هو من صنع الوعي الجديد الذي فجرته ثورة 25 يناير وآزرته بعض الفضائيات المغضوب عليها.










