كانت الحكومات مستعدة لخرق القانون ولا تتوانى عن استعمال شتى الوسائل غير المشروعة لكي تحتفظ بالسلطة، ما يكشف عن طبيعة الذهنية الاستبدادية العربية ويفضح خطاب النفاق عن تمثيل الشعوب وحماية مصالحها، ولم يقتصر الأمر على خطاب التخوين والتشويه للمتظاه
كانت الحكومات مستعدة لخرق القانون ولا تتوانى عن استعمال شتى الوسائل غير المشروعة لكي تحتفظ بالسلطة، ما يكشف عن طبيعة الذهنية الاستبدادية العربية ويفضح خطاب النفاق عن تمثيل الشعوب وحماية مصالحها، ولم يقتصر الأمر على خطاب التخوين والتشويه للمتظاهرين (بوصفهم عملاء أو إرهابيين) بل تعداه لاستخدام القوة ضدهم واعتقالهم وتعذيبهم إذا تطلب الأمر.
الدكتاتورية بثياب ديمقراطية
تناولت طعام الغداء في مطعم "الطرف" مع ثلاثة من الشباب المعتقلين، وهو المطعم ذاته الذي تم إلقاء القبض عليهم فيه، وهم كل من حسام السراي وعلي السومري وعلي عبد السادة.
كانوا يستعيدون أجواء الرعب تلك ،الضحك تارة وبالارتعاش خوفا تارة أخرى.
يبدأ الشاعر "حسام السراي"، الذي كان قد فاز قبل عام بجائزة دولية للشعر في إيطاليا، بسرد القصة " كنا ما يقارب الـ 18 شخصا نتناول الغداء في هذا المطعم الشعبي في الكرادة وسط بغداد بعد العودة من ساحة التحرير، دخلت القوات الأمنية يتقدمهم عسكري برتبة ملازم أول وأشار إلى الأصغر سنا منا.. وهم كل من هادي المهدي، وأنا وعلي بعد السادة وعلي السومري". ثم يستمر بالسرد وعيناه تحمران "أدخلونا في سيارات الهمفي وجردونا من كل ما تحتويه جيوبنا، ثم انطلقت بنا السيارات إلى شارع أبو نؤاس..وهناك تم إنزالنا في الشارع الفارغ من المارة وانهالوا علينا بالشتم والضرب".
ويستذكر الصحفي في جريدة المدى "علي عبد السادة" بقية الاحداث قائلا "ثم وردهم اتصال للاتجاه إلى ساحة التحرير، فتحركت العجلات إلى ذلك المكان، وحين وصلت إلى هناك كانت المنطقة المحيطة بنصب التحرير فارغة، وكان المتظاهرون قد انسحبوا إلى حديقة الأمة خلف النصب... ثم قال الضابط المسؤول للجندي المسؤول عن السلاح في أعلى المركبة تلك العبارة التي أثارت رعبي "أطلق رصاصا حيا عليهم ..حاول إصابة اللحم دون أن تقتل!".
بدأ إطلاق النار لمدة أربع دقائق، وتناهى لهم أصوات صراخ المتظاهرين المصابين.. وبعد عشر دقائق توجهت بهم السيارات إلى مكان مجهول، تعرضوا لأنواع الركلات والتهديدات، وتم تهديد عبد السادة بقص لسانه باستخدام أحد أنواع شفرات الحلاقة. يصف طريقة إدخاله للزنزانة بارتعاش "بعد دفعي بالقوة للدخول للزنزانة سمعت صوت هادي المهدي من الداخل "أنا لست بعثيا" مع انه كان مقيما بالدنمارك وهاربا من جحيم البعث، وعاد للعراق لكي يعمل في الصحافة"
" ضربوني بقطع خشب من لافتات التظاهرة، بعد أن قال الضابط: لماذا لا يصرخ ... أريد أن أسمع صراخه". كانت هذه روايته عن طرق التعذيب، وزادها سوءا أن التحقيق الذي تلا ذلك كان عبارة عن أسئلة في صيغة اتهامات : لماذا تريدون تخريب البلد؟. ولماذا أنتم ضد دولة رئيس الوزراء؟
أما المخرج "علي السومري" فقد كانت له قصة أخرى، إذ سخر معتقلوه من شعره الطويل وركلوه قائلين "هل أنت من جماعة القاعدة..ما هذا الشعر الطويل يا أسامة بن لادن؟!". يصف طريقة معاملتهم له وهو يضع أصابعه بين شعره "حاولوا نتف شعري واتهامي بالانتماء للقاعدة ثم البعث، مع أنني كنت خارج العراق وقت صدام، وتركت عقدا للعمل السينمائي في دبي وعدت إلى بغداد بمجرد سقوط تمثال الدكتاتور".
تم توجيه اتهامات للمعتقلين مثل : إسقاط الجدران الكونكريتية في جسر الجمهورية، وضرب قائد عمليات بغداد بالطابوق، في حين كان لهولاء الشباب دور إيجابي في منع احتكاك المتظاهرين بالقوات الأمنية. وقبل إطلاق سراحهم، دفع بهم إلى توقيع تعهدات لم يطلعوا على مضمونها وهم معصوبو الأعين.
وتكررت قصة الاعتقال مرة أخرى لتنال هذه المرة أربعة من شباب شباط قبل انتهاء مهلة المئة اليوم التي حددتها الحكومة لإجراء الإصلاحات وهم : مؤيد الطيب وأحمد البغدادي وعلي الجاف وجهاد جليل.
لم يتم اعتقالهم بناء على مذكرة قانونية بل تم اختطافهم في وضح النهار في سيارة إسعاف، يقول "مؤيد الطيب" 29 عاما وهو طالب في معهد الفنون قسم المسرح، "وضعوني في سيارة إسعاف وكذلك زملائي وتم تفريغ جيوبنا وانطلقت بنا السيارة إلى سجن الاستخبارات العسكرية في مطار المثنى، أخذوا أشياءنا ثم نزعوا حاذيتنا وربطوا وجوهنا بقماشة سميكة يسمونها "القناع" وتم إيقافنا في ساحة تحت الشمس اللاهبة، وبقينا هناك إلى الساعة الخامسة فجرا في اليوم التالي، بعدها أدخلونا إلى الزنازين".
وكان يتم استدعاؤهم للتحقيق والأصفاد في أيديهم والأقنعة على وجوههم، ثم يتم إرجاعهم للساحة حتى صباح اليوم التالي، ثم عرضت عليهم هويات تعريف تتضمن صورهم مع معلومات شخصية ملفقة.، ولم يستغرقوا كثيرا للاستنتاج انه قد تم تزوير بطاقات بأسمائهم لتحويل مجرى القضية باتجاه آخر.
هددهم رجال الأمن بالقول : أنتم في ورطة كبيرة الآن ونحن نستطيع مساعدتكم على الخلاص منها. وتمت مساومتهم في الأيام التالية، وكان يقود هذه العملية اللواء قاسم عطا الناطق الرسمي باسم عمليات بغداد أو كما يطلق عليه الشباب اسم "كذاب بغداد". وكانت صفقته كالتالي : يطلق سراحكم وتسقط تهمة التزوير مقابل أن تخرجوا في مؤتمر صحفي تتحدثون عن سبب اعتقالكم بسبب قضية التزوير، وتتخلوا علنا عن التظاهرات بوصفها نشاطا مريبا.
أطلق سراح الشباب بعد ضغوط قادها زملاؤهم وناشطون مدنيون مستعينون بالمنظمات الدولية. وكان ما حصل معهم حافزا آخر لكي يؤمنوا بقضيتهم على نحو أعمق، ومنهم الشاب النحيف أحمد البغدادي الذي ولد في العام 1991 وكان يبلغ من العمر 12 عاما حين احتلت القوات الأميركية العراق، إذ أكد أن سبب مشاركته عفوي لا علاقة له بأي جهة سياسية ودافع عن سؤال يتعلق بانتمائه للحزب الشيوعي وهو يقلب بين يديه كتاباً يحمل عنوان "دكتاتورية رأس المال" "أنا لا أخفي انتمائي السياسي لكن التظاهرات كانت أكبر من أي حزب، والشباب هم من أطلقوها، ولا أعرف لماذا أثارت خوف السياسيين ،فهي ليست استيلاءً على السلطة بانقلاب عسكري، بل هي مطالب بالإصلاح تنبع من الشعب".
ويختصر "على الجاف" 24 عاما وهو طالب هندسة حاسبات أسباب خروجه بقوله "خرجت في التظاهرات من أجل الإصلاح، والإصلاح لدي هو أن تتغير حياتي".
مثل هذه القصص وغيرها أخذت ترسم بوضوح التعارض بين رغبة الشعوب بنيل حريتها وسعي الحكومات للاحتفاظ بالسلطة، وأن هذا التعارض وصل إلى لحظة الاصطدام، وسيكون هناك منذ الآن تقابل حتمي بين ساحات التحرير وقصور السلاطين.










