TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > أحمد القبانجي.. الاعتقال المستحيل

أحمد القبانجي.. الاعتقال المستحيل

نشر في: 27 فبراير, 2013: 08:00 م

عبر التاريخ كانت ومازالت علاقة الحاكم بالمحكوم في عالمنا الإسلامي مأزومة لا تجد لها انفراجاً، يحكمها السيف وليس القلم، والتهديد والوعيد بدلا ًمن الإصغاء والحوار، والتهميش والإقصاء، عوضاً عن الاحترام المتبادل.المطلوب من المحكوم قبول الإملاءات السياسية

عبر التاريخ كانت ومازالت علاقة الحاكم بالمحكوم في عالمنا الإسلامي مأزومة لا تجد لها انفراجاً، يحكمها السيف وليس القلم، والتهديد والوعيد بدلا ًمن الإصغاء والحوار، والتهميش والإقصاء، عوضاً عن الاحترام المتبادل.
المطلوب من المحكوم قبول الإملاءات السياسية والدينية بدون مناقشة لأن مجرد طرح الأسئلة يرعب الحاكم ، والحل إما السكوت والإذعان والتصفيق والتطبيل للمستبد أو التمرد والتفكير بشكل مغاير ويكون القمع زاده في الحياة.
   اعتقال المفكر والعالم المجدد أحمد القبانجي في إيران ليس حالة استثنائية إنما هي القاعدة في تاريخنا ومع الأسف حتى في حاضرنا. مسلسل قتل المفكرين لا ينتهي لأن أزمة الحاكم مع نفسه ومع شعبه ومع التاريخ والفكر المستنير ومع الكاتب والفنان والفيلسوف والمبدع لا تنتهي. والمفارقة أن الحاكم لا يتعلم الدرس من التاريخ ولا يأخذ العبرة ولا يتساءل مرة واحدة لماذا بقي كل المعذبين المقموعين من رواد الفكر والثقافة في الذاكرة، في حين خرج المستبدون من التاريخ والحاضر والمستقبل وهم لا يحملون إلا سقط المتاع والسمعة الملطخة بالدماء والذكر السيئ كلما مرََّ المرء على أسمائهم في كتاب أو حكاية.
   إن قصة آلام وعذاب ودموع المفكرين إنما هي قصة شعوبنا مع أزمة الحرية والإبداع. وأحمد القبانجي في كتبه وأحاديثه ومؤلفاته ليس إلا فصلا من هذه القصة الطويلة. وحين ندافع عنه فإنما ندافع عن قيم الحق والفضيلة والبحث العلمي والفكر النيّر الذي يستحيل اليوم قمعه لأن فضاءه لامتناهٍ مقابل فضاء الحاكم الذي يضيق عليه حتى يكاد يختنق فعلاً.
على الذين اعتقلوا أحمد القبانجي أن يبحثوا عن ذريعة لاعتقاله ولن يجدوا حتماً.
   فالحجة أنه يفكر ويبدع وينطلق نحو المستقبل وهم محنطون في شرنقة الماضي، والحجة أنه يبحث عن منظومة الحريات وحقوق الإنسان والعدل للحاق بركب الحضارة، وهم متكلسون في قوقعة الذات لا يتنفسون هواء العالم الطلق.هو يفسر النصوص الدينية وفق منطق العصر وحاجات الإنسان وتطلعاته الحقوقية والتنموية، وهم لا يخرجون عن مخطوطات أكل الدهر عليها وشرب وعلاها غبار التقادم فأصبحت متخلفة عن حاضر الإنسان. إذن فالذريعة الوحيدة لاعتقاله أنه يفكر خارج السرب ويراكم العلم والمعرفة، والحقيقة إن كل الذين جرى قمعهم في تاريخنا الدموي عليهم نفس التهمة.
   إن أحمد القبانجي مواطن عراقي وعالم في فقه وأصول الدين وقد قدم طوال حياته قراءة واقعية ومنطقية محببة للدين ووظيفته القيمة في الحيــاة، فقد ألبس القبانجي وعدد من المفكرين الآخرين الدين ثوبا جميلاً يليق به، وهذا ما يغيض وعّاظ السلاطين وكل الذين يسخّرون الخطاب الإلهي لمآربهم الدنيوية.
إنه إذن الاعتقال المستحيل ،فالفكر والكلمة مثل الضوء يتسرب مهما تكالبت عليه قوى العتمة والظلام ،فإذ يرقد القبانجي في السجن جسداً فكتبه وآراؤه وأفكاره تملأ فضاء الإنسانية.

* وكيل وزارة الثقافة                                                                            

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. فراس الراعي

    نتمنى للسيد القبانجي الحرية والعودة لوطنه وجمهوره المثقف بسلامة. نحن بالفعل نحتاج الى ثورة ثقافية شاملة في مجتمعنا والسيد القبانجي يمثل بذرة أمل للتخلص من خرافات الماضي وتحرير العقل نحو فكر انساني راقي.

  2. العمري

    تحيه اجلال واكبار لهذا الرجل لذي اغنى الفكر الاسلامي بطروحاته المستنده الى العقل والنطق الحر المتحرر من القيود التي كبلت العقل الانساني الذي خلق للانطلاق والابداع في كل مجالات الحياة ........نتمنى وندعوا الله ان يفرج عنه بالقريب العاجل

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram