( استقلال القضاء ) هو المصطلح المرجعي الذي يجمع بين مفهومين ،أحدهما مرتبط بالآخر هما 🙁 استقلال السلطة القضائية ) و ( استقلال القاضي ) ، لكن ما هو الفرق بين هذين المفهومين ؟ وهل هما شيء واحد له نفس المعنى ؟ ويصب في الإطار المرجعي ذاته ، أم أنهم
( استقلال القضاء ) هو المصطلح المرجعي الذي يجمع بين مفهومين ،أحدهما مرتبط بالآخر هما 🙁 استقلال السلطة القضائية ) و ( استقلال القاضي ) ، لكن ما هو الفرق بين هذين المفهومين ؟ وهل هما شيء واحد له نفس المعنى ؟ ويصب في الإطار المرجعي ذاته ، أم أنهما مفهومان متباينان ، لكل منهما معنى مختلف ؟ وما الصلة بينهما ؟ وما الغاية خلف كل منهما ؟ وهل هناك نوع ثالث من الاستقلال يدخل معهما تحت المصطلح المرجعي ( استقلال القضاء ) ؟
أما ( استقلال السلطة القضائية ) فإنه يعني إناطة وظيفة الفصل في المنازعات إلى سلطة مستقلة هي السلطة الثالثة في الدولة، إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية ، على أن تكون العلاقة بين السلطات الثلاثة مبنية على أساس الفصل بين السلطات .
أما استقلال القاضي فيعني هو أن كل قاضٍ ( بصفته الشخصية كفرد ) مستقل تماما لا سلطان لأحد عليه ، ولا يخضع لتوجيه أو إرادة أحد - أيا كان - حينما ينظر في المنازعات التي تعرض عليه ، فهو حين ممارسته سلطة الحكم لا يجوز التدخل في عمله ، لأنه مستقل تماما ، حتى عن رؤسائه داخل السلطة القضائية ، فلا يحق لهم توجيهه أو التدخل في قناعاته أو إصدار الأوامر إليه أن يسير في الدعوى بطريق ما ، فذلك تدخل فــــــــــي شؤون العدالة لا يملكه أحد ، ولو كان من السلطة القضائية نفسها .
ويفترض بالقوانين التي تحكم السلطة القضائية أن توفر للقاضي هذا الاستقلال التام عن طريق آليات وضمانات قاطعة في حمايته ضد تحكم أو تدخل أو تأثير كل الجهات ، خصوصا تدخل رؤسائه داخل السلطة القضائية نفسها ، لأنهم الأكثر قدرة على التدخل في شؤونه وشؤون العدالة إذا كانت لهم سلطات رئاسية أو إدارية على القاضي .
إذن هناك استقلالان قضائيان أصليان ،الأول ( استقلال السلطة القضائية ) والثاني ( استقلال القضاة ).
وقد أخذ الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 بنوعي الاستقلال المذكورين ، فنص في المادة ( 87 ) منه على ( استقلال السلطة القضائية ) بقولها ( السلطة القضائية مستقلة تتولاها المحاكم ... ) ونص في المادة ( 88 ) منه على ( استقلال القاضي ) بقولها ( القضاة مستقلون ، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في شؤون القضاء أو في شؤون العدالة . ) .
لكن ما السبب وراء هذين النوعين من الاستقلال ؟
إن الغاية النهائية التي قامت عليها فكرة إنشاء القضاء والمحاكم هو فصل المنازعات بما يحقق العدل والإنصاف ، إلا أن الواقع العملي أثبت أن العدالة - التي أسند تحقيقها إلى قضاة من البشر - تتعرض إلى مخاطر الضغط والتأثير والإكراه والإغواء التي يتعرض لها القضاة ، فقد يضغط الخصوم بطرق غير قانونية على القاضي بوسائل كثيرة لحرف إرادته والتأثير عليه لإصدار الحكم لمصلحتهم على حساب الحق والعدل ، وقد يتأثر القاضي برؤسائه وأصحاب القرار في منصبه وفي تحديد راتبه وفي تقاعده وترقيته ونقله وانتدابه ، سواء أكان هؤلاء من الرؤساء أو أصحاب القرار التنفيذيين أو التشريعيين أو حتى القضاة أنفسهم ، فقد يضطر القاضي إلى محاباتهم أو مجاملتهم على حساب الحق والعدل ، فتكون العدالة الحقيقية – في النهاية – صعبة المنال إلا إذا أسندنا سلطة الحكم إلى ( قضاة مستقلين ) يحكمون في المنازعات بناء على أحكام القانون وأدلة الخصوم ووقائع الدعوى وضمائرهم فقط ، دون أن يؤثر في إرادتهم شيء ، لذلك أصبح ضروريا ضمان كل الآليات التي تحقق استقلالا كاملا ( للقاضي ) .
ثم وجد جانب من الفقه القانوني وبعض الأنظمة القانونية لاحقا أن ضمان استقلال القضاة - في بعض جوانبه - يحتاج إلى إفرادهم بسلطة مستقلة ، تضمن لهم منع تدخل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية في القضاء وفي شؤون العدالة .
فيكون الغرض النهائي لـ ( مبدأ استقلال القضاء ) هو توفير ضمانات العدالة في الفصل بالمنازعات عن طريق ( قضاة مستقلين ) ، فـ ( استقلال القاضي ) هو وسيلة لتحقيق العدالة ولم يكن في ذاته غاية ، أما ( استقلال السلطة القضائية ) فإنه وسيلة لضمان ( استقلال القاضي ) ، أي أن ( استقلال القاضي ) هو الغاية المستهدفة من السعي لجعل القضاء ( سلطة مستقلة ) .
لذلك ، لا قيمة مطلقا لجعل ( القضاء سلطة مستقلة ) إذا لم يؤد – ذلك - فعليا إلى ضمان ( استقلال القاضي ) ، إذ لا يقصد من استقلال السلطة القضائية سوى توفير ضمانات مهمة لتأمين استقلال أكبر للقاضي عند الأنظمة القانونية التي ترى وجوب جعل القضاء سلطة مستقلة . بخلاف أنظمة أخرى ترى أن المطلوب فقط هو ( استقلال القاضي ) كضمانة من ضمانات تحقيق العدالة ، دون استقلال القضاء كسلطة ، لذلك فإن تلك الأنظمة القانونية - كالأنظمة اللاتينية - ربطت القضاء بالسلطة التنفيذية ولم تعترف له بصفة السلطة المستقلة ، لأنها لا ترى مبرراً لجعل القضاء سلطة ، إلا أن كل الأنظمة القانونية في العالم تتفق – بلا خلاف مطلقا - على وجوب ( استقلال القضاة ) كأشخاص حتما .
أما النوع الثالث من الاستقلال فهو استقلال مكونات السلطة القضائية عن بعضها البعض ، فالمكونات الستة للسلطة القضائية يجب أن تكون مستقلة عن بعضها ، وتقوم العلاقة بينهما على التنسيق والتعاون والرقابات المتبادلة ، وهذا هو الفرق بين الوزارة والسلطة ، فحينما تكون المكونات أو التشكيلات في وزارة فإنها تكون تابعة لإدارة مركزية يرأسها وزير تخضع له وتنفذ أوامره وترجع إليه ، أما إذا كانت المكونات في سلطة فيجب أن تكون مستقلة عن بعضها استقلالا تاما مهنيا وماليا وإداريا .
فهل بني القضاء في العراق على أنه سلطة أم ظل يدار بآليات الوزارة ؟ وهل هناك أي استقلال حقيقي للقضاة ؟ وهل هناك ضمانات لاستقلالهم في الإطار القانوني الذي يحكم القضاء اليوم في العراق ؟
والجواب بديهي وفي غاية السهولة، فالقضاء سلطة من الخارج لكنه وزارة من الداخل ، هو سلطة بالاسم ووزارة في الحقيقة .
ولا استقلال للقضاة داخل السلطة القضائية إذا تتحكم بهم وتخرق استقلالهم وتتدخل في قراراتهم وتفتّ بعضدهم في إقرار العدالة للناس مجموعة من الرؤساء الإداريين / القضائيين الذين لا همّ لهم سوى الحفاظ على كراسيّ أخذوها غالبا بالتملق والنفاق والخضوع ، والمجاملة أو تجنب الاصطدام بأهل النفوذ والسلطة على حساب الحق والعدالة، مما حوّل نسبة كبيرة جدا من القضاة إلى أسرى ، يتحكم بهم الخوف من البطش والاستبداد الإداري .
وأضحى القضاة سجناء ضعف الموارد ، وسجناء تسلط الرؤساء الإداريين - خصوصا بعض رؤساء الاستئناف - وتحكمهم وفسادهم وانحرافهم ، وخضوعهم للسلطة التنفيذية .
وليس لي إلا أن أدعو – هنا - كل من له شأن بإصلاح القضاء خصوصا الأستاذ حسن الحميري رئيس محكمة التمييز الاتحادية فأقول ( أنقذوا القضاة من الأسر ) .










