TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > قضاة أسرى استقلال موهوم

قضاة أسرى استقلال موهوم

نشر في: 1 مارس, 2013: 08:00 م

( استقلال القضاء ) هو المصطلح المرجعي الذي يجمع بين مفهومين ،أحدهما مرتبط بالآخر هما 🙁 استقلال السلطة القضائية ) و ( استقلال القاضي ) ، لكن ما هو الفرق بين هذين المفهومين ؟ وهل هما شيء واحد له نفس المعنى ؟ ويصب في الإطار المرجعي ذاته  ، أم أنهم

( استقلال القضاء ) هو المصطلح المرجعي الذي يجمع بين مفهومين ،أحدهما مرتبط بالآخر هما 🙁 استقلال السلطة القضائية ) و ( استقلال القاضي ) ، لكن ما هو الفرق بين هذين المفهومين ؟ وهل هما شيء واحد له نفس المعنى ؟ ويصب في الإطار المرجعي ذاته  ، أم أنهما مفهومان متباينان ، لكل منهما معنى مختلف ؟ وما  الصلة بينهما ؟ وما الغاية خلف كل منهما ؟ وهل هناك نوع ثالث من الاستقلال يدخل معهما تحت المصطلح المرجعي ( استقلال القضاء ) ؟

أما ( استقلال السلطة القضائية ) فإنه يعني إناطة وظيفة الفصل في المنازعات إلى سلطة مستقلة هي السلطة الثالثة في الدولة، إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية ، على أن تكون العلاقة بين السلطات الثلاثة مبنية على أساس الفصل بين السلطات .

أما استقلال القاضي فيعني هو أن كل قاضٍ ( بصفته الشخصية كفرد ) مستقل تماما لا سلطان لأحد عليه ، ولا يخضع لتوجيه أو إرادة أحد - أيا كان - حينما ينظر في المنازعات التي تعرض عليه ، فهو حين ممارسته سلطة الحكم لا يجوز التدخل في عمله ، لأنه مستقل تماما ، حتى عن رؤسائه داخل السلطة القضائية ، فلا يحق لهم توجيهه أو التدخل في قناعاته أو إصدار الأوامر إليه أن يسير في الدعوى بطريق ما ، فذلك تدخل فــــــــــي شؤون العدالة لا يملكه أحد ، ولو كان من السلطة القضائية نفسها .

ويفترض بالقوانين التي تحكم السلطة القضائية أن توفر للقاضي هذا الاستقلال التام عن طريق آليات وضمانات قاطعة في حمايته ضد تحكم أو تدخل أو تأثير كل الجهات ، خصوصا تدخل رؤسائه داخل السلطة القضائية نفسها ، لأنهم الأكثر قدرة على التدخل في شؤونه وشؤون العدالة إذا كانت لهم سلطات رئاسية أو إدارية على القاضي .

إذن هناك استقلالان قضائيان أصليان ،الأول ( استقلال السلطة القضائية ) والثاني ( استقلال القضاة ).

وقد أخذ الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 بنوعي الاستقلال المذكورين ، فنص في المادة ( 87 ) منه على ( استقلال السلطة القضائية ) بقولها ( السلطة القضائية مستقلة تتولاها المحاكم ... ) ونص في المادة ( 88 ) منه على ( استقلال القاضي ) بقولها ( القضاة مستقلون ، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في شؤون القضاء أو في شؤون العدالة . ) .

لكن ما السبب وراء هذين النوعين من الاستقلال ؟

إن الغاية النهائية التي قامت عليها فكرة إنشاء القضاء والمحاكم هو فصل المنازعات بما يحقق العدل والإنصاف ، إلا أن الواقع العملي أثبت أن العدالة - التي أسند تحقيقها إلى قضاة من البشر - تتعرض إلى مخاطر الضغط والتأثير والإكراه والإغواء التي يتعرض لها القضاة ، فقد يضغط الخصوم بطرق غير قانونية على القاضي بوسائل كثيرة لحرف إرادته والتأثير عليه لإصدار الحكم لمصلحتهم على حساب الحق والعدل ، وقد يتأثر القاضي برؤسائه وأصحاب القرار في منصبه وفي تحديد راتبه وفي تقاعده وترقيته ونقله وانتدابه ، سواء أكان هؤلاء من الرؤساء أو أصحاب القرار التنفيذيين أو التشريعيين أو حتى القضاة أنفسهم ، فقد يضطر القاضي إلى محاباتهم أو مجاملتهم على حساب الحق والعدل ، فتكون العدالة الحقيقية – في النهاية – صعبة المنال إلا إذا أسندنا سلطة الحكم إلى ( قضاة مستقلين ) يحكمون في المنازعات بناء على أحكام القانون وأدلة الخصوم ووقائع الدعوى وضمائرهم فقط ، دون أن يؤثر في إرادتهم شيء ، لذلك أصبح ضروريا ضمان كل الآليات التي تحقق استقلالا كاملا ( للقاضي ) .

ثم وجد جانب من الفقه القانوني وبعض الأنظمة القانونية لاحقا أن ضمان استقلال القضاة - في بعض جوانبه - يحتاج إلى إفرادهم بسلطة مستقلة ، تضمن لهم منع تدخل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية في القضاء وفي شؤون العدالة .

فيكون الغرض النهائي لـ ( مبدأ استقلال القضاء ) هو توفير ضمانات العدالة في الفصل بالمنازعات عن طريق ( قضاة مستقلين ) ، فـ ( استقلال القاضي ) هو وسيلة لتحقيق العدالة ولم يكن في ذاته غاية ، أما ( استقلال السلطة القضائية ) فإنه وسيلة لضمان ( استقلال القاضي ) ، أي أن ( استقلال القاضي ) هو الغاية المستهدفة من السعي لجعل القضاء ( سلطة مستقلة ) .

لذلك ، لا قيمة مطلقا لجعل ( القضاء سلطة مستقلة ) إذا لم يؤد – ذلك - فعليا إلى ضمان ( استقلال القاضي ) ، إذ لا يقصد من استقلال السلطة القضائية سوى توفير ضمانات مهمة لتأمين استقلال أكبر للقاضي عند الأنظمة القانونية التي ترى وجوب جعل القضاء سلطة مستقلة . بخلاف أنظمة أخرى ترى أن المطلوب فقط هو ( استقلال القاضي ) كضمانة من ضمانات تحقيق العدالة ، دون استقلال القضاء كسلطة ، لذلك فإن تلك الأنظمة القانونية - كالأنظمة اللاتينية - ربطت القضاء بالسلطة التنفيذية ولم تعترف له بصفة السلطة المستقلة ، لأنها لا ترى مبرراً لجعل القضاء سلطة ، إلا أن كل الأنظمة القانونية في العالم تتفق – بلا خلاف مطلقا - على وجوب ( استقلال القضاة ) كأشخاص حتما .

أما النوع الثالث من الاستقلال فهو استقلال مكونات السلطة القضائية عن بعضها البعض ، فالمكونات الستة للسلطة القضائية يجب أن تكون مستقلة عن بعضها ، وتقوم العلاقة بينهما على التنسيق والتعاون والرقابات المتبادلة ، وهذا هو الفرق بين الوزارة والسلطة ، فحينما تكون المكونات أو التشكيلات في وزارة فإنها تكون تابعة لإدارة مركزية يرأسها وزير تخضع له وتنفذ أوامره وترجع إليه ، أما إذا كانت المكونات في سلطة فيجب أن تكون مستقلة عن بعضها استقلالا تاما مهنيا وماليا وإداريا .

فهل بني القضاء في العراق على أنه سلطة  أم ظل يدار بآليات الوزارة ؟ وهل هناك أي استقلال حقيقي للقضاة ؟ وهل هناك ضمانات لاستقلالهم في الإطار القانوني الذي يحكم القضاء اليوم في العراق ؟

والجواب بديهي وفي غاية السهولة، فالقضاء سلطة من الخارج لكنه وزارة من الداخل ، هو سلطة بالاسم ووزارة في الحقيقة .

ولا استقلال للقضاة داخل السلطة القضائية إذا تتحكم بهم وتخرق استقلالهم وتتدخل في قراراتهم وتفتّ بعضدهم في إقرار العدالة للناس مجموعة من الرؤساء الإداريين / القضائيين الذين لا همّ لهم سوى الحفاظ على كراسيّ أخذوها غالبا بالتملق والنفاق والخضوع ، والمجاملة أو تجنب الاصطدام بأهل النفوذ والسلطة على حساب الحق والعدالة، مما حوّل نسبة كبيرة جدا من القضاة إلى أسرى ، يتحكم بهم الخوف من البطش والاستبداد الإداري .

وأضحى القضاة سجناء ضعف الموارد ، وسجناء تسلط الرؤساء الإداريين - خصوصا بعض رؤساء الاستئناف - وتحكمهم وفسادهم وانحرافهم ، وخضوعهم للسلطة التنفيذية .

وليس لي إلا أن أدعو – هنا - كل من له شأن بإصلاح القضاء خصوصا  الأستاذ حسن الحميري رئيس محكمة التمييز الاتحادية فأقول ( أنقذوا القضاة من الأسر ) .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram