TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > النظرة الى الهجرة وصراع الثقافات بين انيتا ديساي وابنتها كيران ديساي

النظرة الى الهجرة وصراع الثقافات بين انيتا ديساي وابنتها كيران ديساي

نشر في: 2 مارس, 2013: 08:00 م

 شغفت بأعمال انيتا ديساي الروائية والقصصية ووجدت فيها ثراءً إنسانياً  ورؤية ثاقبة لأوضاع النساء والرجال في مجتمعات العالم الثالث التي تعرضت للتمزق والتقسيم بعد نيل استقلالها عن سلطة المستعمر ونموذجها الهند، وما قدمته انيتا ديساي من كشف لصراع الثقافات في مجتمع متعدد الأعراق والأديان والطبقات، بخاصة في روايتها الكبيرة ( ضوء نهار مشرق ) التي قمت بترجمتها وصدرت عن (دار المدى) قبل شهور قليلة .  
يندر في عالمنا ومجتمعاتنا المعاصرة أن يرث الأبناء موهبة الأبوين بخاصة في مجال الإبداع الأدبي ، فمعظم أبناء الروائيين والكتاب المعروفين يختارون مهنا لا علاقة لها بالمهن التي صنعت مجد أمهاتهم وآبائهم ، ولعل ذلك يعود إلى نوع من رفض غير واعٍ يتخذ شكل انتقام خفي من انشغال الأم أو الأب عنهم في بناء شخصيته الإبداعية وتعزيز مكانته في مهنته التي تتطلب مثابرة وتضحيات كبيرة بينما الأبناء يجتازون بساطة الطفولة إلى تعقيدات الصبا والمراهقة أو لعل نظرة الأجيال الجديدة إلى الإبداع والأدب قد اختلفت في عالم نفعي تنافسي يسعى إلى التربح السريع في عصر الاستهلاك المفرط وغالباً ما يحيد الأبناء عن مسار الأبوين فلا يشكل أحدهم امتداداً لموهبة أحد أبويه ، غير أن الروائية (كيران ديساي) شذت عن هذه القاعدة -الظاهرة لتواصل مسيرة أمها الروائية بقوة وبراعة أهلتها لنيل جائزة البوكر البريطانية في ثاني رواية لها بينما رشحت روايات والدتها للبوكر ثلاث مرات من دون أن تحقق الفوز على منافسيها.
 اتجهت كيران ديساي إلى الأدب لعشقها روايات أمها انيتا ديساي وتأثرها بمسيرتها الأدبية ولطالما حلمت أن تحقق لنفسها بعضاً من مكانة أمها الأدبية وشهرتها وهي التي عاشت طفولتها ومراهقتها في الهند حتى سن الخامسة عشرة ثم قصدت بريطانيا للدراسة واختارت العيش في أميركا بعد إكمال دراستها. ورثت انيتا ديساي الأم تقاليد الرواية الهندية ما بعد الكولونيالية وتأثرت الى حد ما بنمط الرواية النفسية وكتبت من وجهة نظر نسويّة إلى عالم محتشد بالمواقف المضادة للنساء واحتفت بالتواصل الإنساني والعلاقات المتينة بين أجيال وثقافات مختلفة ، بينما اختارت كيران التصدي لفكرة الهجرة التي يحلم بها مواطنو العالم الثالث ففي روايتها (ميراث الخسارة ) تقدم مشهد التدافع المحموم للهنود باتجاه نافذة السفارة الأميركية التي تمنح التصريح لزيارة أميركا أرض الأحلام، ونرى الشخص الأقرب إلى النافذة هو الأكثر عنفاً وتدافعاً مع مواطنيه ليكون في أول الصف بينما ينظر إلى الموظف الأميركي باستخذاء ويتعامل مع مواطنيه باستعلاء زائف ويلخص هذا المشهد نقد كيران لأوهام الكثيرين عن الهجرة التي تقول عنها: (ليست الهجرة سوى خدعة كبيرة فنحن نتوهم أشياء وننتحل شخصيات جديدة في المهجر ويستلزم الأمر الكثير من الوقت للتحرر من كل ذلك) وقد صورت كيران ديساي مشاعر وحدة أبطالها وعزلتهم المريرة وعدم قبول المجتمع الجديد لهم بل واحتقارهم والهزء بهم عبر التعامل اليومي في بلاد المهجر وكشفت عن الجانب المظلم للعولمة التي سحقت ملايين من فقراء العالم الثالث في وهم الحلم الأميركي الذي خبرته كيران وهي تتنقل بين بريطانيا وأميركا والهند ولخصت في روايتها هذه علاقة الشرق بالغرب والخشية من فقدان الهوية وما ينتج عن هذا الصراع غير المتكافئ من مرارة نفسية لتقف هنا موقف والدتها من صراع الهويات والثقافات في الهند والمهجر مع اختلاف زاوية نظر الكاتبتين إلى الوقائع في أعمالهما الروائية لاختلاف الأجيال والمؤثرات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram