الموازنة، طالت وعرضت، والسنة تمضي، أما (الكتل) فتزيد من عنادها، وترفع سقف مطالباتها؛ عدا التيار الصدري، الذي خرج هذه المرة بتظاهرات اقتصادية نادرة للضغط باتجاه إقرارها.
مناقلة جزء من تخصيصات التسليح إلى تنمية الأقاليم؛ التي تطالب بها بعض الكتل، بغض الطرف عن بعدها السياسي الشائك، أمر ذو وجاهة، لجهة أن أرقاماً هائلة صرفت على ملف الأمن ، ورغم ذلك فان المشكلة الأمنية لا تزال قائمة.. ما يرجح فرضية ذهاب جزء من تلك الاموال لجيوب فاسدة.
والقول بأنه أمن هش ويمكن أن يتراجع في أية لحظة، هي حجة مهمة للقول إن مقايضتها المفترضة مع التنمية أمر يمكن أن يجد مقبولية، خاصة أننا سلمنا بحقيقة أن دعم التنمية هو عامل أساسي للاستقرار..
مقايضة (الزبدة بالمدفع) ليست بالجديدة، وهي تعنى أساسا بالسياسات التي تخضع لها الأموال العامة بين الاستخدامات البديلة، وذلك في مقايضة أن تذهب أموال الإيرادات - الممولة أصلا من ضرائب المجتمع - بين استخدامات الاستهلاك والاستثمار.. وهو الجزء من الموازنة الذي يمكن أن نتحدث عنه اليوم، على أمل العودة لأجزاء أخرى لاحقا.
من متابعة دقيقة لأرقام مشروع موازنة 2013، يلاحظ أن ثمة نية لتخفيض الجانب الاستثماري لصالح الاستهلاكي، وهي انعطافة خطيرة عن الاتجاهات العامة للموازنات السابقة، فرغم أن تلك الموازنات استهلاكية نسبياً، إلا أن الذي يحسب لها، أنها كانت تتجه نحو تخفيض الجانب الاستهلاكي وزيادة الاستثماري، ولو تدريجيا بنسب قليلة.
لكن يبدو أن الحكومة لم تستطع أن تصبر على المطاولة في (شيء حسن تفعله)، وتريد أن تلحق بآخر قطار يمكن أن تركبه، خوفا من (الأوضاع المقلقة التي تشهدها المنطقة) كما يقول قادة التحالف الوطني، لذا فإنها ترغب في أن تسلح نفسها جيدا مقابل تهديدات مستقبلية محتملة من محيطها الإقليمي، وهو ما يرجح أن ملف الاستثمار ستكون حقيبته خفيفة ضمن أمتعة القطار الذي تنوي ركوبه.
إشارة واضحة أطلقت على لسان رئيس الوزراء في هذا الصدد أيضا؛ وهو بصدد الحديث عن موازنة 2013 ، إذ يقول إنها لا تضم مشاريع تحل مشاكل المواطنين!
الحكومة ترى أن الاستقرار الأمني يمكن أن يكون مقدمة للنمو الاقتصادي، وهي وجهة نظر مثبتة تقليديا، لكن الإنفاق على التسليح، يحكم عليه، من وجهة نظر أخرى، بأنه إنفاق استهلاكي بامتياز، رغم بعض آثاره الإيجابية في تنشيط باقي أجزاء الاقتصاد وتخفيض البطالة، ما يحدث عادة في الدول المنتجة للسلاح لا المستهلكة له.
ما يعني أن التسليح، في دولتنا، هو حرق لدولارات النفط التي لن تتكرر، وتكريس لقاعدة الفرص الضائعة من الاستثمار والتنمية.. ولو صار وأنفقت الأموال عليه، فان بعضا منها يتسرب إلى الجيوب الفاسدة..
مع تخفيض نسب الاستهلاك والإصرار على التسليح، فإننا لن نتوقع حدوث تقدم في مسار التنمية والرفاهية عموما، ما يدعونا للقول، نيأس من موازنة تكون حقيبة الاستثمار فيها خفيفة.
الاستثمار بحقيبة خفيفة !
نشر في: 2 مارس, 2013: 08:00 م










