TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الواقع كما هو

الواقع كما هو

نشر في: 2 مارس, 2013: 08:00 م

لا يتأتى للناس في كل وقت "رؤية الواقع كما هو، دون زيادة ولا نقصان". هذه قدرة تنتسب، على ما يبدو، الى مرحلة عقلية متقدمة في حياة الأفراد والشعوب. و"المشكلة"هي انه من دون هذه القدرة يمكن للفرد أن يأخذ مقلبا بنفسه، فيظن أنه وحيد عصره، مع انه ليس في الواقع كذلك، وانما في خياله فقط لا غير. الجماعات، أو الشعوب، كذلك يمكن أن تأخذ مقلبا بنفسها، فتظن انها في أفضل حال، بل و"ذات رسالة خالدة"، لكن أيضا في خيالها فقط دون الواقع.

وتُعَرَّفُ العقلانية بأنها "رؤية الواقع كما هو". طبعا لا يمكن اختزال "البلية" المسماة بالعقلانية بهذه الكلمات الأربع. فلنتفق اذن على ان هذا هو أحد تعريفاتها فقط. وهو تعريف غير قليل. فمن يزعم أنه يعرف نفسه كما هي؟ ومن يدعي معرفة الواقع من حوله كما هو؟ ان معارف الذات والآخر والواقع هي مدار علوم الانسان والمجتمع والفلسفة والآداب والفنون. مدار كل "الثقافة" الهادفة الى "فهم الانسان كما هو".

وهكذا يمكن القول ان شغلة هذه العقلانية شاقة وأحيانا مستحيلة. انها ليست بالسهولة التي يبدو عليه تعريفها ذو الأربع كلمات. جرِّب أن تحاول معرفة أجوبة الفلاسفة على سؤال ( ماذا يريد الانسان؟)، وهذا سؤال من أهم الأسئلة المُعَرِفة بماهية الانسان، وستجد أن الأجوبة مختلفة اختلافا شديدا وأحيانا متعارضة، وبعضها لا يكاد أن يُفهم.

لكن خارج هذا "البطر المعرفي"، أو ما يمكن أن يبدو أنه كذلك، هناك دائما حدود دنيا للعقلانية. وهذه يمكن أن تعرف بالفطرة، أو بالخبرة، أو بمستوى تعليمي معقول. والتاريخ يروي سير رجال بلغوا بالفطرة درجة رفيعة من العقلانية لم يصل اليها رجال ذوو مكانة في تاريخ الفكر. وقارن على سبيل المثال بين رجل مثل الملك عبد العزيز آل سعود، الذي لم يدرس ولم يعرف الغرب يوما واحدا في حياته، وبين مفكر وسياسي كان قد دار العالم مثل ميشيل عفلق. وستجد أن الأول، رجل الفطرة السليمة، "فلتة عقلانية"، في مقابل "فلتة طوباوية" يمثلها الثاني.

"المشكلة" مع غياب العقلانية بحدودها الدنيا تكمن فيما يستتبعها من غياب للحقيقة وتعد على الحق. انها ليست مشكلة نظرية فقط وانما عملية أيضا ويمكن أن تؤدي الى نتائج لا حدود لخطورتها على حياة الشعوب ومصائرها.

انظر الى "النازية". انها مثال متطرف على الأفكار السياسية التي تقف على طرف نقيض تماما مع العقلانية، وكيف أدت الى أوسع دائرة قتل ودمار في تاريخ البشرية. وانظر اليوم الى هذه الحمى اللاهبة التي تسمى "الطائفية". انها هي الأخرى مثال متطرف على الأفكار السياسية المتعارضة مع العقلانية. ونحن غاطسون فيها الى الركب. الطائفية كالنازية هي عقل جماعة لا عقل لها. انها حمى مدمرة تحتل أعماق المؤمنين بها وتصعد الى رؤوسهم فتطيح بعقولهم، ويا ويلك ويا سواد ليلك اذا تحكمت وأصبحت سياسة وسلطة وحكومة.

ما الطائفية؟ ما مغذياتها؟ بأي أحزاب وتنظيمات ومعتقدات تتمثل؟ ما حجمها في السياسة؟ ماذا فعلت وماذا تفعل والى أين ستقود البلد، وماذا سيكون مصيرها؟

السياسة والثقافة عندنا لم تجهدا نفسيها بعد في مناقشة هذه الأسئلة مناقشة عميقة مثمرة. والى أن تفعلا ستظل "رؤية الواقع كما هي" متعذرة. وستظل السياسة كما الثقافة "ناقصة عقل ودين".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram