احتل العراق المركز التاسع في تصنيف مجلة السياسة الخارجية foreign policy الأمريكية ومؤسسة صندوق السلام المتخصصة The Fund For Peace بتقدير حالة الدول في عام 2012 ، في هذا التقرير ترتبت الدول العشر الأكثر فشلاً في تقدير الباحثين الذين أعدوا هذا ال
احتل العراق المركز التاسع في تصنيف مجلة السياسة الخارجية foreign policy الأمريكية ومؤسسة صندوق السلام المتخصصة The Fund For Peace بتقدير حالة الدول في عام 2012 ، في هذا التقرير ترتبت الدول العشر الأكثر فشلاً في تقدير الباحثين الذين أعدوا هذا التقرير كما يلي: الصومال- الكونغو - السودان- تشاد - زيمبابوي- أفغانستان-هايتي- اليمن - العراق.
اعتمد التصنيف على 12 مؤشرا اجتماعيا، اقتصاديا ، سياسيا، وعسكريا، مؤشراً لقياس مدى نجاح وفشل حكومات الدول في التعامل مع المشكلات المختلفة التي تواجهها ، مثل الزيادة في عدد السكان، وسوء توزيعهم، الحركة السلبية للهجرات واللجوء ، الميراث العدائي بين الطوائف، والقبائل، والأعراق . غياب التنمية . مستوى الفقر ، وانعدام المساواة. فقدان شرعية الدولة، وغياب القانون. تدخل دول خارجية في شؤون الدولة بما في ذلك التدخلات العسكرية.
وعلى ذلك فإن الدولة "الفاشلة " هي : الدولة التي لا يمكنها السيطرة على أراضيها، وعادة ما تلجأ للقوة، وتفشل حكومتها في اتخاذ قرارات مؤثرة، إضافة إلى عدم قدرتها على توفير الخدمات لأبناء شعبها، فضلاً عن فشلها في التعامل بفاعلية مع المجتمع الدولي، وعادة ما تشهد معدلات فساد وجريمة مرتفعة.
إذن، لا يحتاج المرء إلى فطنة عالية ليجد كل معايير الدولة الفاشلة في العراق، وإذا كان العراق قد حل في المرتبة الخامسة في عام 2007 ، وتقدم إلى المرتبة العاشرة في 2012 . فانه يبدو عائداً إلى المرتبة الخامسة في نهاية عام 2013، ولنحمد الله على وجود دول، مثل الصومال والكونغو وتشاد وزيمباوي وأفغانستان، لكي تنافسنا على المرتبة الأولى في الدول الأكثر فشلاً في العالم.
قد تبدو تلك الرؤية متشائمة! بيد أن مبرراتها واضحة للعيان. إذ عشر سنوات عجاف مرت على سقوط النظام الدكتاتوري ولم نستطع بلورة كيان سياسي يحدد معالم العراق الجديد. فساسة العراق الجدد لا يملكون رؤية واضحة لبناء دولة، ورصيدهم في الحياة السياسية لا يتجاوز معارضة نظام صدام، والاستثمار بالشعارات الطائفية، والبلاغة في الخطاب السياسي، والتبعية لدول الخارج.
ربما يعترض البعض على التعميم، وهو خلاف المنهج العلمي، لكن من يعيش في العراق ويتجول في شوارع بغداد وبقية المحافظات (عدا إقليم كردستان). ماذا يلاحظ؟ بالتأكيد سيجد معالم اللادولة. ومعالم الفساد السياسي والإداري واضحة في كل مفصل من مفاصل مؤسسات الدولة، حتى بات الرؤية العامة لأي مسؤول أو موظف في تلك المؤسسات على أنه غارق في الفساد. كيف لا وفي العراق أصبح الفاسد هو الأصل، والنزيه الاستثناء. فميزانية العراق تجاوزت 500 مليار دولار في ثماني سنوات، ولم تنعكس على الشارع العراقي, فلا تنمية، ولا مشاريع بنى تحتية، ولا حلول لأزمة السكن، ولا حتى أمن يعيش المواطن في ظله. لا بل تواضعت مطالب العراقيين حتى أصبحت تعد بناء الجسور وإكساء الشوارع منجزاً.
أين المشكلة؟ في الإدارة السياسية وفي السياسيين. فالتظاهرات في محافظات المنطقة الغربية، وقبلها أزمة قوات دجلة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. فضحت العجز عند الساسة العراقيين في إدارة الأزمة، ومن ثم إدارة الدولة. الغريب في الفاعلين السياسيين أنهم يملكون ازدواجية في السلوك السياسي، فهم جميعاً مشاركون في إدارة الدولة، وبالمقابل هم ينتقدون إدارتها، حتى أصبحت تلك الازدواجية صفة تميز العمل السياسي في العراق. ويبدو أن لهذه الازدواجية ما يبررها( حسب المنهج البراغماتي) ،فهي تبرر صفة العجز والفشل في إدارة الدولة، ومن ثم محاولة لديمومة الاستثمار في الدعاية الانتخابية من خلال التأكيد على أن الآخر الشريك في العملية السياسية لا يريد لنا أن ننجح، فهو المسؤول عن ذلك الفشل، من جهة. إضافة إلى أن هذه الازدواجية تعزز انعدام الثقة بين المكونات القومية والطائفية في العراق، مما يعني تأجيل كثير من الاستحقاقات الضرورية في بناء الدولة، لأن الطائفة أو القومية في خطر، بمعنى بقاء المتبجح المدافع عنهن ويمكن يكبح خطر الآخر ويغلل من تغوله من جهة أخرى. وبالنتيجة أصبحت ازدواجية النخب السياسية واضحة من خلال تتمتعها بجميع امتيازات الحكم والسلطة ، وفي الوقت نفسه هي غير راضية عن أدائها وطريقة عملها. بالمحصلة النهائية الطبقة السياسية تعيش أزمة أخلاقية عندما تكرس في كل يوم جديد انفصالها العميق عن مجتمعها، طبقة مليئة بسياسيين يدمنون الحديث عن العراق دون أن يكون حاضرا في أبسط أفعالهم، حيث تتحدد المواقف وتصاغ خلف أجندات المصلحة الطائفية والإثنية والشخصية الضيقة التي يخفونها تحت غطاء من الخطاب الأخلاقي عن «المشروع الوطني» الذي يبدو بالمحصلة اقل أهمية من تشبث بعضهم بوهم السلطة والمجد الشخصي.
ومن أسباب فشل الدولة العراقية هو شخصنة المؤسسات وربطها بشخصيات تحاول تصوير نفسها على أنها الوحيدة القادرة على إدارة البلاد، ولولا وجودها في سدة الحكم لأصبح العراق في خبر كان وفوضى وعنفاً ودماراً. الأمر الذي ساهم في تهديم أسٌ نظام الحكم الديمقراطي (الفصل بين السلطات) ،فالسلطة القضائية أصبحت تابعاً ذليلاً إلى رئيس السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية دورها منعدم في المحاسبة والمراقبة والتشريع وتحولت إلى منبر للتسقيط والتشهير مابين البرلمانيين.
أيضا، يكمن فشل الدولة في العراق في تهديد منظومة الحقوق والحريات من قبل السلطة السياسية من جانب. ومن قبل مجموعات مسلحة غير شرعية، من جانب آخر. وكذلك فشل مشروع العدالة الانتقالية في العراق الذي بعد عشر سنوات ما زال يراوح مكانه. وما حسم أكثر من 26 ألف معاملة من منتسبي الكيانات المنحلة وإحالتهم إلى التقاعد ،بعد تظاهرات المنطقة الغربية، إلا دليل على الانتقائية في عمل مؤسسات تحقيق العدالة الانتقالية.
كذلك كيف لا يكون العراق دولة فاشلة، وهو يملك ثاني احتياطي عالمي من النفط ولا يزال فاشلاً في إدارة موارده، وفاشلاً في تشريع قانون ينظم إدارة الثروة النفطية والموارد الأخرى ، وفاشلاً في تحديد الصلاحيات بين المركز والإقليم، وفاشلاً في إدارة الأزمات، وفاشلاً في رسم ستراتيجية تحدد دوره في المحيط الإقليمي وصنع السياسة الخارجية، وفاشلاً في التنمية.وفاشلاً في تحقيق الاندماج الوطني، وفاشلاً في جعل الدولة مؤسسة متعالية عن تناقضات المجتمع، وفاشلاً في احتكار الدولة ممارسة العنف المنظم.
وختاماً، أجد التقرير يجانب الصواب عندما يعد العراق "دولة" في حين أنه لا يزال كياناً سياسياً يتخبط في خطواته نحو الدولة.
* باحث أكاديمي










