TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العَرَق والعراق

العَرَق والعراق

نشر في: 4 مارس, 2013: 08:00 م

البضائع المحلية هي نوع من الرموز الثقافية المعبرة عن "الهوية". يشمل ذلك حتى المشروب الروحي المعروف باسم "العَرَق". أظنكم لا تجهلونه. بل أظنكم تعرفونه خير معرفة، ولن تنسوه، رغم "الهوايل" التي ارتكبها ضد محال بيعه تنظيم "القاعدة" وأشقاؤه المساوون له أو المقلون عنه في التطرف من ميليشيات وتنظيمات "الاسلام السياسي".

عندما لم يكن هناك شك في وجود العراق بأي معنى من المعاني المتدرجة من الأعماق الى السطوح، وعندما لم يكن مثل هذا الشك موجودا بين موضوعات الفكر، كان "عرق العصرية"، المنتج محليا، سيد "المشروبات الروحية" في الحانات والبارات العراقية. وذلك الوقت ليس بعيدا، بل لا يزال قريبا، وأخضر يانعا في الذاكرة. فسبيعينيات القرن العشرين لم تدخل التاريخ، ولا انطوت صفحتها بعد، حتى عند الجيل الذي لم يعشها، لكن لابد أنه عرفها، عبر طرق النقل والرواية من الموشكين على الغروب أمثالي الى المشرقين من أبناء الجيل الجديد، الله يحفظهم ويديم عليهم جمال الشباب وعزته وتوقده وابداعه.

لكن "عرق العصرية" أو "المستكي" أو أي عرق محلي آخر، فَقَد اليوم ليس مكانته العليا في البار العراقي وحدها، بل فقد وجوده أصلا. في البار العراقي لا يوجد عرق عراقي. تصوروا! وهذا ليس بفعل الحكومة. لا أبدا. ولا كذلك بفعل "الإسلامية". وبمناسبة هذه الكلمة الأخيرة، أذكر ان أحد الراكبين في حافلة عامة أيام السبيعينيات شكا بصوت عال قائلا:" ما ظلت إسلامية". فتجاوب معه كهل قائلا: أي والله عمي فعلا ما ظلت اسلامية. ورد عليه الشاكي قائلا: عمي أي اسلامية.. انهم يغشون حتى العرق!

وكان كل منهما يعني بـ "الاسلامية" الاسلام. وكان كل منهما مسلما على طريقته. وكان ذلك قبل أن تنتاب الدنيا موجة الاسلام السياسي، وقبل أن يتكون الفرق بين المسلم وبين "الإسلامي". وهو فارق جذري غالبا، وبسيط نادرا. ومن هذا النادر البسيط الاسلام السياسي التركي، الذي حافظ على كرامة "العَرَق التركي"، واحتفظ له بموقع الصدارة في البار التركي، سواء كان ذلك البار معدودا في الخمس نجوم أو الخالي من أي نجوم.

وأشهر أنواع العرق التركي هو "الراكي". وربما كان العراق هو أصل تسميته. وقد أخبرني الزعيم الأصولي المعروف حسن الترابي يوما بأنهم في السودان يسمون منتوجهم المحلي من  العرق "عَرَقي"، نسبة الى العراق. وأول مشروب روحي، على أي حال، كان من مكتشفات العراق القديم. لكن الأسلاف نسوا كل ذلك اليوم، وطردوا العرق من باراتهم، وأحلوا بدلا منه أنواعا من العرق التركي واليوناني والى حد ما اللبناني. وهذه الدول الثلاث، الى جانب الأردن واسرائيل وقبرص وسوريا قبل الثورة، حافظت جميعا على كرامة انتاجها المحلي من العرق، ومازال معدودا عندها من الرموز الصناعية والتجارية والثقافية المعبرة عن الهوية الوطنية.

وهذا مع العلم ان أصحاب الخبرة يرون عَرَقَنا مميزا، وأصحاب الغربة يجدونه وطنا. لكن ماذا تفعل وقد انقلب عاليها واطيها، ولم تعد هناك "اسلامية" بعدما عصف الفساد بالبلد. والفساد قد يكون سبب اختفاء العرق المحلي من معظم بارات بغداد. اذ ربما كانت أرباح استيراد الأنواع الأجنبية أكبر. وقد تكون هناك أسباب أخرى. الله أعلم. لكن تَقَبُلَ هذه الظاهرة أمر سيء، تجاريا وصناعيا، وثقافيا بشكل أخص. فهذا التقبل هو على نحو ما موقف غير كريم تجاه النفس، وتجاه المحلية، وتجاه درجة التقدير للرموز الثقافية، او المعنوية، المعبرة عن الهوية الوطنية. فكلما تناقص تقدير المواطن لنفسه قل تقدير أشياء ورموز وطنه. كما ان بخس قيمة الصناعات والرموز المحلية تحصيل حاصل لقلة تقدير الوطن لمواطنيه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 3

  1. smh

    اكيد تريد تنسى الضيم وحنين للشباب المضى

  2. shatha

    all the men in al mada they shouldbe drunks when they write about iraq congrats fakhry kareem (iraq be khair)

  3. basil

    الاسلاميين الذين يحكمون العراق الان حتى الله باكوووووووو

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram