في أجواء عالم الفضائيات وشيوخ الوعظ والإرشاد على الهواء كتب «إبراهيم عيسى» روايته «مولانا» التي جرى ترشيحها لجائزة البوكر العربية، مستلهما بالتفصيل تجربته الشخصية في التعامل مع الأضواء. يعرف «حاتم الشناوي» بطل الر
في أجواء عالم الفضائيات وشيوخ الوعظ والإرشاد على الهواء كتب «إبراهيم عيسى» روايته «مولانا» التي جرى ترشيحها لجائزة البوكر العربية، مستلهما بالتفصيل تجربته الشخصية في التعامل مع الأضواء.
يعرف «حاتم الشناوي» بطل الرواية نفسه بأنه تاجر علم ويصاحبه هذا الوعي بحقارة المهمة التي يقوم بها من أجل الحصول على المال والشهرة، وذلك بعد أن أدمن عالم الأضواء ولم يعد يتصور نفسه مبعدا عنه، ومن أجل هذا الحضور الدائم على الشاشات يقدم البطل التنازل تلو الآخر هو الذي راكم معرفة علمية عميقة بأمور الدين أخذ يستخدم بعض قشورها بحساب في صناعة نجوميته حتى كبرت هذه المسافة «بين كونك كائنا بشريا وبين تبدلك كائنا استعراضيا تليفزيونيا» ضربتك «العبودية الآسرة للضوء السحري» و«يبقى الرجل في حالة انقسام بين نفسه الحقيقية ونفسه الإعلامية» منتظرا بروق الضوء الأحمر كي يلبس نفسه المستعرضة، وشيئا فشيئا يكتشف الرجل الشديد الذكاء والقادر على التلاعب «إن كائن الضوء الأحمر المدرب وليس هو من يظهر أمام والده وأخواته البنات» ويؤدي به الانغماس في عالم الأضواء المزيف إلى برودة الروح والانهيار الفعلي لزواجه من المرأة التي كان هو شيخها وحبيبها الذي تعلقت به حين كان شيخا بسيطا في جامع قريب من منزلها حتى أصابه هذا التوهان المشترك بينهما بحثا عن روحيهما الحقيقيتين، الشهرة اللامعة وبذخ المال غيراه فغيرها. كان الرجل قد انخرط بكل طاقته فيما أسماه «سباق المسافات الطويلة» ليجد لنفسه مكانا مميزا بين عبيد الضوء الأحمر، وفي التواصل مع جماهير تسأل في الدين أسئلة أغلبها تافه وفارغ وشكلي.
وفي واحدة من أهم ذرى الرواية يسقط ابنه عمر في حمام السباحة وهو الذي جاء بعد عذاب طويل لدى الأطباء والمستشفيات، ويكون السقوط وسط لمة المعجبين وطلاب الفتوى وزحام أعضاء النادي حوله، يصاب الابن بعد إنقاذه بفقدان الذاكرة، ويتعرض الأب لانهيار عصبي ويعاقب نفسه بالاختفاء في المساجد لينظف المراحيض، وينام على الحصير أو على الأرض إلى أن تعرف عليه أحدهم وأعاده إلى منزله، ولم تغفر له زوجته أبدا هروبه منها ومن ابنه ساعة المحنة وتتجاوز محنة الابن السقوط الواقعي لتصبح دلالة على العالم الفارغ الذي يعيشه الأب أخذ الانقسام النفسي يمزق روحه كأنما يتهرب من لقاء ذاته الأصلية هو الذي تعلم العزف على العود وعشق صوت الشيخ «محمد رفعت» بل وتدرب لدى الرفاعية على ملاعبة الثعابين، والآن بعد تراكم الثروة والشهرة فإن سنه «لم تعد تحتمل صدقا، الصدق مع النفس خبيث وشرير، وفيروس إن اخترق البدن ضرب كل المنظومة الخرسانية التي تصلب طولك في الدنيا» وهو يعرف جيدا أنه صالب طوله في الدنيا «بالنصب والتزوير» حتى أننا حين يقول حاتم لشيخه الصوفي مختار الحسيني «فيك حتة نور تضيء شيئا داخلي» نشعر بأن هذا الصوت الكاتب لا الشخصية.
ومع تطور أحداث الرواية يتكشف لنا زواج السلطة والثروة والدين، حيث تنشأ علاقة المصالح بين شيوخ التليفزيون وكبار المسؤولين ولواءات الشرطة ورجال الأمن ويتزوج أحدهم من فنانة معتزلة، وهناك أيضا القصور الفاخرة التي يملكها هؤلاء بمن فيهم البطل ورجال الدين من وعاظ السلاطين الذين يحبون من الدين أن يكون في خدمة التطلع والتطمع في الدنيا، وفتاواهم جاهزة دائما للخدمة وهم يتنافسون في ما بينهم كأنهم «في صراع عوالم لا علماء» يليق تماما بأساليب الدولة البوليسية والتوجهات الفاشية في معاملة الخصوم وكسر هيبتهم وتشويه صورتهم «حتى الاستعانة بأعمال البلطجة وإشعال الحرائق بالمنازل، وإتلاف الممتلكات الخاصة، وافتعال حوادث السيارات ومأموريات الإزعاج.. إلخ» كما فعلوا مع أسرة الشيخ الصوفي مختار الحسيني رغم أن مريديه هم كبار البلد، وأصحاب نفوذ وذوو مكانة.
وفي قلب الرواية التي تقع في خمسمئة وأربع وخمسين صفحة عدة روايات أخرى من قصة لنصر حسن شقيق زوجة ابن الرئيس الذي سمى نفسه بطرس التي تبدأ في الثلث الأول من الرواية، إلا أننا، وعلى طريقة الأفلام البوليسية لا نكتشف أنه متطرف ينتمي إلى تنظيم القاعدة إلا في نهاية الرواية حتى نتبين أنه اشترك في تفجير كنيسة، ومع ذلك فإن قصة التنصر لا تطرف هي التي تحتل مساحة واسعة جدا في الرواية وتفتح الباب لإدخال ابن الرئيس وزوجته في أحداثها.
تحمل الرواية طابعا تبسيطيا تعليميا لا يخلو من إنشائية وركاكة تسبب فيها الميل إلى الثرثرة وترهل البناء لأن الكاتب يسجل كل ما يعن له، لكنه استطاع أن يكشف لنا بعض حقائق عالم الفضائيات الدينية في طبخة متبلة بكل مشهيات الجنس والمال والسياسة والدين والشذوذ والمناقشة مع صاحب فتوى رضاع الكبير، والإسراف في الاستشهاد بآيات القرآن وهكذا يرضي كل الأذواق مع وعي قلق يعتمد السخرية كأداة مهمة ، خاصة السخرية من الذات التي يمارسها البطل حين يقول «أنا شخصيا كسبت من الدين فلوساً أكثر من التي كسبها الخلفاء الراشدون»!










