نرى نحن المهتمين بعلم النفس السياسي أن إعطاء الناخب العراقي صوته لمن يريد تتحكم به عملية (اتخاذ قرار ) معقدة تتفاعل فيها عوامل اقتصادية وفكرية وانتماءات وولاءات متعددة..وأن فيها ستراتيجيات أيضا!..كونها تتطلب استخدام الكثير من مهارات التفكير ،كالتحليل
نرى نحن المهتمين بعلم النفس السياسي أن إعطاء الناخب العراقي صوته لمن يريد تتحكم به عملية (اتخاذ قرار ) معقدة تتفاعل فيها عوامل اقتصادية وفكرية وانتماءات وولاءات متعددة..وأن فيها ستراتيجيات أيضا!..كونها تتطلب استخدام الكثير من مهارات التفكير ،كالتحليل والتقويم والاستنباط والاستقراء.
ويعني (اتخاذ القرار) دراسة تحديد واختيار البدائل اعتمادا على قيم وتفضيلات متخذ القرار.وهو – في حال الانتخابات – يعني أن على الناخب أن يختار مرشحا واحدا من بين آلاف أو قائمة من بين مئات.لكن الناخبين غير المسيسين الذين يشكلون الأكثرية،يتأثر اتخاذهم القرار بثلاثة عوامل أساسية،أولها ما يتعلق بالمعلومات ما إذا كانت كافية أو دقيقة..أو ربما تزيد على الحاجة بحيث تجعل متخذ القرار محتارا في قراره.وثانيهما،عوامل تتعلق بنقص الخبرة والمعرفة في اتخاذ القرار ،أو ضعف مستوى ثقة الناخب في قدرته على اتخاذ القرار ،أو خوفه من أن القرار الذي يتخذه ستكون له نتائج خطيرة.وثالثها،عوامل تتعلق بشخصية الناخب من حيث نوعية قيمها وضميرها الأخلاقي وشعورها بالمسؤولية.
وبعكس ما يعتقد كثيرون فان الدعايات الانتخابية في الشوارع وعبر وسائل الإعلام ليس لها الدور الكبير في التأثير على الناخب العراقي،لأمور سنأتي عليها، ولكم أن تتذكروا أن احد المرشحين في انتخابات 2010 دفع لقناة العربية وحدها مليوني دولار،وأدار حملته الدعائية خبراء أجانب..ولم يفز..مع انه كان رجل دين أيضا!
إن العامل السيكولوجي هو الذي يلعب الدور (الأكبر) في تحديد صوت الناخب العراقي لخصوصية طبيعة الشخصية العراقية. ففي انتخابات(2005) كان انفعال (سيكولوجيا الضحية) هو الذي جاء بأكثرية شيعية وأكثرية كردية للبرلمان العراقي السابق. وفي انتخابات (2010) كان انفعال (سيكولوجيا الاحتماء) هو الذي جاء بتشكيلة البرلمان الحالي..وكلاهما تتعلقان بالحالة النفسية للناخب العراقي، الأولى ناجمة عن شعور (الضحية) بالحيف، والثانية ناجمة عن بارانويا الطائفية السياسية..التي أجبرت الناخب على إعطاء صوته (لابن طائفته أو عشيرته أو قوميته) ليحميه من استهداف الآخر له، حتى لو كان هذا (الابن) غير جدير بأن يكون عضو برلمان ،ولا ينتخب آخر من طائفة أو عشيرة أو قومية أخرى حتى لو كان الأكفأ والأنزه والأجدر منه،بل حتى لو كان حاصلا على جائزة نوبل في الاقتصاد.ولهذا نجم عن تشكيل حكومات ما بعد التغيير أن تراجعت الثقافة الوطنية (الشعور بالانتماء للعراق) لصالح ثقافات الولاءات الفرعية على اختلاف عناوينها ومسمياتها،أشاعتها ثقافتا(سيكولوجيا المظلومية) و(سيكولوجيا الاحتماء).
وما حصل في العراق يشبه اللامعقول،وتندهش أن سبب كل هذه "اللامعقولات" هو أن العراق صار في السنوات العشر الماضيات ليس دولة بالمفهوم السياسي،لأن النخب الحاكمة بكل طوائفها وانتماءاتها ومسمياتها،لا يوجد لديها "الإيمان بدولة"..فالواقع يدلّك على وجود "دويلات" تمثلها مؤسسات حكومة..ولك أن ترى الاختلاف كبيرا بين وزارة وأخرى.
ولقد نجم عن غياب مفهوم الدولة أمران خطيران:تراجع مفهوم الشعور بالهوية الوطنية الذي يوحّد الناس في انتمائهم للوطن لصالح تقوية مفهوم الهويات الطائفية والقومية والدينية التي تفرّق المجتمع بحكم طبيعتها التعصبية،وانشغال النخب الحاكمة بمصالحها الشخصية وإهمال قضايا الناس واعتمادها أسلوب "الترضية" في تقاسم الثروة التي تسدّ الأفواه ما دام الكل يتنعم..وهذا هو الذي أدى إلى الفساد وجعل العراق أفسد دولة عربية بعد الصومال ورابعها في العالم..ولم تتخذ إجراءات فاعلة لإيقافه ومحاسبة الفاسدين والمفسدين الكبار..الذي يعدّ أحد أهم أسباب عدم رضا العراقيين عن حكوماتهم بعد التغيير. حتى الحكومة الحالية التي أطلقت على نفسها حكومة الشراكة الوطنية صارت في الواقع حكومة (شراهة) وليس (شراكة) ،وإلا ما تفسيرك لأن تكون بأربعين وزيرا فيما الحكومة المصرية بعشرين وزيرا ونفوسها ثلاثة أضعاف نفوس العراق ؟!
والواقع أن (لا حق ) للعراقيين في عدم رضاهم عن حكومتهم الحالية وسابقتها ،فالبرلمانان السابق والحالي، جاءت بهما جماهير شعبية شكلّت بحدود 60% من الشعب العراقي، تحكّم بأصوات غالبيتها المطلقة العاملان السيكولوجيان أعلاه..الناجمان كلاهما عن وعي متخلف .
ولهذا يصح القول: كيفما يكن الوعي لدى الناس تكن السلطة. ولأن هذه الجماهير كان وعيها (مخدّرا") بمنومات الطائفية والعشائرية والقومية (وكلها بالضد من مفاهيم الديمقراطية)، فإنها لم تكتشف خطأ (بل خطيئة!) ما قامت به إلا بعد أن استيقظ وعيها..فعضّوا أصابعهم البنفسجية وصاروا من النادمين!
وواقع حال كهذا(تصريح الناس علنا بأنهم ندموا على ما فعلوا) يغري بأن يجعلك تتوقع أنهم لن يعيدوا انتخاب من انتخبوهم وخذلوهم، وان قوى جديدة ستأتي...فهل هذا هو الذي سيحصل..ليمهد إلى قيام دولة مدنية ديمقراطية تتمتع بهيبة دولة يحكمها قانون تشرّعه سلطة منتخبة وتدار مؤسساتها من رجال دولة ،أم أن الكيانات الطائفية والقومية ستبقى هي صاحبة السلطة والسطوة بحكم ما تمتلكه من إمكانات مادية ضخمة ووسائل إعلام وحملات دعائية تصل حتى إلى القرى النائية؟
نعم إن التغيير ليس مستحيلا وإبعاد الفاسدين والفاشلين ليس عصيا ،على ما يرى وطنيون وديمقراطيون متفائلون..وستقدم معركة مجالس المحافظات في نيسان المقبل أكثر من مؤشر بخصوص ما سيحصل من تغيير..لكن الثابت لدينا أن الناخب العراقي انتقل الآن في عملية اتخاذ القرار من (سيكولوجيا الضحية ) إلى (سيكولوجيا التردد)..وهذا ما سنحلله في الحلقة المقبلة.










