محمد صادق جرادقبل ربع قرن من الآن وفي مثل هذه الأيام استيقظت مدينة حلبجة بكل أطفالها ونسائها وشيوخها على صوت الطائرات وهي تلقي بالقنابل والصواريخ الكيمائية التي أرسلها النظام الفاشي حينها لتدكّ المدينة الآمنة وتحيل نهارها إلى ظلام قاتل ليتم اغتيال ا
محمد صادق جراد
قبل ربع قرن من الآن وفي مثل هذه الأيام استيقظت مدينة حلبجة بكل أطفالها ونسائها وشيوخها على صوت الطائرات وهي تلقي بالقنابل والصواريخ الكيمائية التي أرسلها النظام الفاشي حينها لتدكّ المدينة الآمنة وتحيل نهارها إلى ظلام قاتل ليتم اغتيال الحياة بكل تفاصيلها واستهداف شعب أعزل كل ذنبه أنه يريد العيش بسلام وحرية .
أكثر من 5000 شهيد ذهبوا ضحية الجريمة الوحشية في يوم واحد في ظل الصمت العربي والدولي وفي ظل غياب الضمير الإنساني ،حيث غابت الأصوات المطالبة بحقوق الإنسان والمتشدقة بشعارات الحرية والسلام ليكون الشعب الكردي حينها وحيدا بمواجهة الآلة العسكرية البعثية التي استباحت كل المحرمات واستهدفت الإنسان والطير والطبيعة والهواء في جريمة إبادة جماعية عكست وحشية النظام وسياسة التمييز العنصري والقومي والطائفي التي اتّبعها في التعامل مع أبناء الشعب العراقي.
ولقد كانت هذه الجريمة حلقة في سلسلة الجرائم البشعة التي ارتكبها النظام الشوفيني السابق بحق أبناء الشعب الكردي بصورة خاصة والعراقي بصورة عامة ، فعندما نعود إلى الوراء من أجل قراءة لتاريخ العراق السياسي نجد أن المواطن في هذا البلد عانى عبر عقود طويلة من الاستبداد والظلم نتيجة ممارسات النظام الشمولي السابق الذي بنيت دعائمه على أساس التمييز العنصري والطائفي والقومي, حيث حكم البلاد لفترة طويلة حاول خلالها إدامة بقائه في السلطة عبر استخدام وسائل العنف والتخويف والتصفية الجسدية إضافة إلى سياسات أخرى تجسدت في زج البلاد في حروب جرت على الشعب ويلات وكوارث مازال يدفع ثمنها حتى اليوم . وعبر تلك الفترة وجدنا أن النظم العربية كانت تستغفل حاكم العراق لتجعل منه أداة وسلاحاً في مواجهة ما تعتبره الخطر الإيراني عبر مواجهة دامت لسنوات تلقى فيها النظام الدعم والمساندة من قبل هذه الأنظمة لديمومة هذه الحرب التي دفع الشباب العراقي دماء زكية خلالها ولكننا وجدنا أن طاغية العراق تحول بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية إلى مارد كبير ابتلع دولة الكويت الدولة العربية الجارة ليوغل في ارتكابه للجرائم ضد شعبه وضد الشعوب الأخرى . وكان من الطبيعي أن يكون هناك رد فعل لهذه التراكمات من الممارسات الحمقاء التي زادت من أعباء المواطن العراقي وفاقت قدرته على التحمل ،وهذا ما مهد لموقف معارض من قبل الشعب لسياسات النظام وأن هذا الموقف إنما جاء كنتيجة طبيعية للمعاناة التي يشعر بها الشعب العراقي على مدى حكم الدكتاتورية البغيضة .
وهكذا نجد أن نظام صدام كان المسؤول الأول والأخير عما لحق بالشعب العراقي من ويلات ومن عقوبات دولية وإجراءات كان لها دور في تقييد حرية العراق وسيادته الوطنية .
كل هذه العوامل شاركت في اتخاذ الشعب العراقي بصورة عامة والكردي بصورة خاصة موقفا معارضا لسياسات النظام كتعبير عن الرفض لحالات الإحباط التي يعيشها الإنسان العراقي على مدى سنيّ حكم النظام وشعور الإنسان العراقي بالرغبة في تمزيق القيود التي تكبله من التعبير عن موقفه تجاه النظام الذي لم يجر على بلده غير الحروب والويلات على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية .
ما نريد أن نصل إليه في الختام أن إرادة الشعوب تنتصر في النهاية مهما استخدم الطغاة من أسلحة ومارسوا تعتيما إعلاميا وحاولوا التهرب من جريمتهم وإلصاقها بالآخرين إلا أن الحق ظهر في النهاية وانتصر شهداء حلبجة على الحكام وأزلامهم الذين نالوا القصاص العادل وتم إعدامهم بعد محاكمة عادلة ليدخلوا التاريخ من أقذر أبوابه .
وعلينا اليوم أن نعطي للحادثة حقها في التوثيق والتقدير والاحترام من أجل أن نضمن عدم عودة الأنظمة الدكتاتورية إلى مثل هذه الممارسات الوحشية ،فلابد أن تكون في المناهج الدراسية ليعلم أبناؤنا تاريخ أجدادهم العظام من الذين وقفوا بوجه أعتى الأنظمة الفاشستية لنظهر للعالم عظمة هذا الشعب المظلوم .










