يعتبر العراقيون من أكثر شعوب العالم خلقا للرمز ، لن يمر يوم في حياتهم إلا وقد صنعوا رمزا يقدمون لها آيات التقديس والتبجيل ويحوكون حوله غرائب القصص والحكايات والبطولات الخارقة ويقدمون له القرابين وينشدون له أجمل أشعارهم وأغانيهم..ومنذ اليوم الذي مشى ا
يعتبر العراقيون من أكثر شعوب العالم خلقا للرمز ، لن يمر يوم في حياتهم إلا وقد صنعوا رمزا يقدمون لها آيات التقديس والتبجيل ويحوكون حوله غرائب القصص والحكايات والبطولات الخارقة ويقدمون له القرابين وينشدون له أجمل أشعارهم وأغانيهم..ومنذ اليوم الذي مشى الإنسان على أرض العراق كان معه رمزه حتى أنهما كانا يظهران جسدين بظل واحد وغالبا ما يذوب العراقي في رمزه وحين يطلب منه التعريف عن نفسه فإنه ينتحل اسم رمزه ويحاول أن يبدو صغيرا متلاشيا أمام رمزه الجبار العملاق ،ففي هذا نشوة نفسية له ودرء عن كل أذى وحساب قد يصيبه في المستقبل..
العراقي يصنع من كل الظواهر الطبيعية والبشرية التي تخيفه رموزا يدين لها بالخضوع والولاء اتقاءً لشرها ، في الأساطير القديمة التي نسجها الخيال ، كانت كل آيات الطبيعة التي ترعبه ويقشعر لها بدنه ولا يجد لفتكها تفسيراً بأن يجعل منها آلهة يعبدها ويبني لها الأضرحة والمعابد وينسج على أفعالها الأساطير وينظم الأشعار التي كان يرتلها وهو يذوب حسرة على لقاء الإله أو الفناء من دونه..لقد جعل من البرق والريح والرعد والنار والموت والشمس والقمر والماء وغيرها آلهة ورموزا تستظل بها نفسه كي يعيش آمنا مطمئنا وهو غير قادر على التصور يوما بأنه يستطيع العيش بعيدا عن هذه الرموز الإلهية سر ديمومته ووجوده وسبب سعادته في هذا العالم المفخخ بالفناء والغدر ،وحين ظهرت الممالك وارتسمت البلدان والحضارات على الأرض بدأت أطماع البشر تتسع وظهر مفهوم السلطة إلى الوجود وتنصّب الملوك على الرعية أوصياء وأرباباً ،لقد لاحق العراقي الملوك والحكام واحتمى بظلالهم وخاصة من كانوا أكثر بطشا بالرعية فصنع الملاحم التي صورت هؤلاء الملوك القتلة وسراق الحكم كأنصاف آلهة وأنصاف بشر ونسب لهم المآثر والخوارق ليس بالفعل فقط بل بالهيئة والطول والعرض ،فكلكامش الذي كان يفتك بنساء أوروك ويغتصب الصبايا ويقتل الرجال بلا رحمة حتى أن ما من بيت في أوروك لم يستغث من ظلمه وجوره ، لقد صورته الملحمة ،التي يتفق المؤرخون على أن مؤلفها هم عامة الشعب وليس كاتبا محددا ، كان ماردا لا يضاهيه احد بقامته التي تبلع عنان السماء وسلاحه الذي لا يستطيع عشرات الرجال من حمله وحين يطلب من العراقي التعريف بنسبه فإنه أول انتمائه ، اللاشعوري ، إلى جده كلكامش المهووس بالقتل والدم والباحث عن خلد يديم له ملكه الذي لن يعطيه لغيره وإلى شهريار الذي مازال خط دماء نسائه سائلا من فراشه الملوث بالفحش والدنس إلى دكتاتور عصّب رأس شعبه بالحروب والهزائم إلى ملك جائع سرق الخزائن وصبغ الدم أنهار البلد كلها ووضع المسطرة والفرجال كي يقطع أوصال البلد حسب طلبات المجاورين..لقد أغمض العراقي عينيه عن مدونة التاريخ الطويلة بكل العلماء والمفكرين والأخلاقيين الذين امتلأت بهم صفحات الكتب ومختبرات الدرس وسير العلم والفضيلة والذين أعادوا ترميم ما خربه المجانين والدكتاتوريون والفاسدون الذين تعاقبوا على حكم العراق منذ ذلك التاريخ ولحد الآن..الإنسان ابن الواقع ، وهذا الواقع هو الذي يصوغ النفس البشرية ويفصّل مشاعرها ،وان تاريخا حافلا بالمظالم والعبودية والقهر والذي رزح تحته العراقي منذ آلاف السنين خلق لديه أزمة نفسية مزمنة وطباعا تحولت شفرات وبصمات وراثية في جيناته ،وهو بالرغم من كل الأذى والانسحاق الذي ناله من حاكمه الجلاد فانه غالبا ما ينظر إلى هذا المتجبر بعين أخرى وبانبهار لا يوصف ،وكيف لا وهذا الذي يمسك بالملكْ هو الذي يمنحه الحياة ويعيره جبروتا مزيفا ويجعله قانونا فوق القوانين يقتل دون ملاحقة قضائية ويسرق دون أن تناله يد النزاهة فكيف لا يصنع منه رمزا فريدا يرى فيه مزايا ومواصفات ،رسمها خواؤه وعقله الباطن المستلب ،وأجلسه في علياء أوهامه وقد تلاشى أمامه خيرة العلماء والمبدعين والمفكرين .فهؤلاء طارئون لن يمنحوه ما منحه الرمز من هيبة وتنمر وملامح إضافية يزوق بها بشاعة المسخ الرابض داخله ..لقد التحق العراقي صانع الرمز بركب هذا الماسك بخزائن المال والقانون والمصير حتى لو كان من سياسيي الصدفة ومن الخدج المشوهين ذي التاريخ المخزي ولم يكمل من عمر السياسة الطويل عاما واحدا ..لقد انتسب له في اللقب والعشيرة ومنطقة السكن وتمثل خطاه وطريقة كلامه ورمم خراب نفسه بمظهر أناقة الرمز الخادعة واستعار حركة يديه التي غالبا ما تكونا مرصعتين بالأحجار الكريمة الطاردة للحسد والغيرة ووضع صورته ، حين درج في جادة السياسة ، في لوحات إعلانات الانتخابات ،التي تجري كل حين وقد غطت مساحاتها صفحة السماء ،جنبا إلى جنب مع الرمز وكتب تحتها لا تنظروا إليّ فانا وهم غير موجود أعيش في أخيلة الفراغ فقط انظروا إلى الرمز الذي صنعته يداي فهو الأجدر والأكفأ والأبدي الذي يسوق مصائرنا حيث يريد وإن كنتم تفكرون يوما بأني قد أصنع لكم شيئا جديدا فهذا محض سراب ،فأنا ذائب في الرمز فهو الذي يخطط ويشيد الأزمات ويصمم فراديس الخراب وكلما يتعكر الواقع بسببه وتزداد تعقيداته وتتقابل الطوائف وتتنابز بالعقائد والأصول تصبح الحاجة إليه كمنقذ وحيد قادر أن يفك هذه الحيرة وهذا الالتباس.. صانعو الرموز السياسية وواضعو صورهم الباهتة جنب صور رموزهم لا يخسرون أنفسهم فقط بل يخسرون مدنهم المبتلاة بهم ويخسرون العراق في النهاية.










