بالرغم من أن ثمة دوافع عقائدية، لدينا نحن الشعوب الإسلامية ، لنتبنى فكرة الصيرفة الإسلامية، وكل ما يرتبط بها من منطلقات ترى فيها نبذ للدوافع الربوية للصيرفة التجارية أو التقليدية، والاقتراب من مفهومها الذي يرتبط بتطبيق قيم السماء وما يتبعها من تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية.. إلا أن المفارقة أن تكون مراكز جذب الأموال الإسلامية متبناة من قيم العالم الغربي كأوربا أو أميركا.. بحيث أنها ترغب بشكل متواصل زيادة تمويلها الذي يعتمد على أسس إسلامية، فضلا عن الصيرفة التجارية التقليدية.
بالتأكيد فان دعاة الاقتصاد الإسلامي لدينا ينظرون الى الأمر على انه نصر للقيم الإسلامية وتراجع لقواعد الاقتصاد الرأسمالي الحر.. وهو أمر فيه الكثير من حسن النوايا، لكن غير المعززة بمنطلقات نظرية أو تطبيقية سليمة بالضرورة.
فالعام الغربي وهو يتبنى مفهوم الصيرفة الإسلامية ينطلق في الأساس من دافعه الرئيسة ذاتها للدخول إلى النشاط الاقتصادي، وهي تحقيق أقصى مقدار من الإرباح كما هو معلوم، ويبدو أن الأدوات المالية الإسلامية صارت تنمو بشكل متسارع وهو ما يتيح لهم الباحث عن اقتناص الفرص الربحية ، أكثر مما نعتقده نحن انه نصر للإسلام.
اليوم يجري الحديث عن رقم يتراوح بين 500 مليار دولار وترليون دولار، هو حجم التمويل الإسلامي، واغلب هذا التمويل ينبع من دول إسلامية عموما وعربية على وجه الخصوص ومن منطقة الخليج العربي تحديدا، وهنا يحاول العالم الرأسمالي استقطاب الجزء أو حصة من هذا التمويل. لذا تحاول تلك البلدان، ولندن على وجه الخصوص أن تكون مركزاً لاستقطاب الأموال الإسلامية هذه، وثمة أكثر من مؤسسة مصرفية ولجت مجال العمل المصرفي الإسلامي في لندن، وهو ما يرجع إلى أسباب بعضها تاريخي، يرتبط بقوة العلاقة بين دول الشرق الأوسط وبين لندن، ومنها ما يتعلق بعمق الأزمة المالية التي تمر بها منطقة اليورو، ومن ثم محاولة أن تجد لها مخرجا من أزمتها يتمثل في جزء منه بالصيرفة الإسلامية وأدواتها.
الربح يبقى هو الهاجس الرئيس للعالم الرأسمالي وإن أتى من جذور إسلامية، وهذا لب الاختلاف في النظرة إلى الصيرفة الإسلامية، فجماعة الاقتصاد الإسلامي يرون فيه نصراً لأدوات لا ربوية تدخل في صلب النظام الرأسمالي لتحفر فجوة كبيرة في هذا النظام، أما الواقع فهو ليس كذلك ، فهناك اتجاهات لتدوير جزء من رؤوس الأموال العربية والإسلامية وإرجاعها الى منابعها الأصلية في دول الأزمات، لتخليصها منها.
ولعل واحدة من أهم المسائل التي يحاجج فيها أصحاب الاقتصاد الإسلامي تنطلق من فكرة أن النقود عقيمة ولا يمكن أن تولد نقودا وان وظيفتها الرئيسة هي التبادل، وهو أصل يختلف كثيرا عما هو سائد في العالم الرأسمالي الغربي، الذي يعدّ النقود أداة لخزن القيم كما هي وسيلة للتبادل.
وهذا الاختلاف يجعل دعاة الصيرفة الإسلامية يظنون أن الرأسمالية تخلت عن فكرة أن النقود يمكن أن تولد نقودا، لكن الأمر ليس كذلك تماما، بقدر ما تحاول هذه الرأسمالية أن تفك أزمتها من خلال استقطاب تلك الأموال الفائضة.










