حتى لا تتهمنا الحكومة أننا دائماً ما نهاجمها، فاني أود أن استهل موسم الصيف ببيان أشير فيه الى أن مشكلة الكهرباء في العراق ذات أسباب متباينة وأن مفاتيحها بيد إطراف متعددة، منها ما يتعلق بسياسات الإنتاج، التي تحاول الحكومة جاهدة الارتفاع به، ومنها ما يتعلق بالطلب الذي يمثل المستهلك حجر زاوية في تحديده.
هذه الأيام المعتدلة؛ في الفترة الانتقالية بين الصيف والشتاء، دائماً ما نستخدمها حجة للقول أن المشكلة في قطاع الكهرباء تتمثل بجانب الطلب مثلما هي مشكلة عرض، فاعتدال درجات الحرارة يقود الى اعتدال في الاستهلاك، لأن الناس لا تشغل أجهزة التدفئة ولم تشغل تبريداتها بعد.. ما يجعلنا نقول مبدئياً أن تخفيض معدلات الاستهلاك يمكن أن يسهم في حل المشكلة، وهو أمر يعود جزئياً الى الأفراد أنفسهم.
لكن هذا لا يعني انتفاء مسؤولية الحكومة ذاتها، سواء لجهة قدرتها على ضبط هذا الاستهلاك، أو زيادة طاقتها الإنتاجية.. والأخيرة أمر صارت الشكوك تحوم حوله يوماً بعد آخر، فوزارة الكهرباء تخبرنا المرة تلو الأخرى دخول محطات توليد الى العمل وزيادة ساعات التجهيز، وهو أمر سرعان ما يتلاشى مع اشتداد موجات الصيف والبدء في دخول وحدات التبريد الى العمل..
المشكلة أن الحكومة عادة ما تتناسى أنها أمام متوالية هندسية من زيادات الطلب على الكهرباء بسبب زيادات السكان والإسكان في حين أن إنتاجها يزداد بمتوالية عددية فقط، وهو ما يقود الى اتساع الفجوة بين الجانبين لا تقلصها.
الحكومة، التي تدعي سيادة القانون لا تتعامل مع مشكلة الكهرباء بشكل قانوني، فقد أهملت بشكل فج مسألة التجاوزات على الشبكة الكهربائية من قبل الأفراد، وهي لا تعير أي اهتمام لاحترام القانون، بل أنها نفسها متجاوز كبير على الشبكة من قبل شخوصها ومتنفذيها.. وهي بذلك لا يمكن أن تكون دواءً لداء هي السبب فيه.
حتى أن هذه الحكومة لم تمنح أي متسع من جهدها لكيفية ترشيد الاستهلاك، وذلك على فرض أن هذا الأمر يدخل من صلب اختصاصها كونها صاحبة الحق في استخدام وسائلها المتعددة من اجل ذلك.
فاحد أهم واجبات الحكومة هو فرض جباية مبالغ من أفرادها جراء تقديم بعض الخدمات العامة، وهو ما يخدم أكثر من باب ليس أهمها زيادة إيرادات الدولة، ولكن لأن الدفع أو التكاليف هي احد أهم شروط العقلانية في ترشيد الاستهلاك، خاصة إن كان هذا الدفع يحصل بطريقة عادلة وذلك مع تزايد الوحدات المستهلكة، وعلى طريقة التصاعد في الدفع، بحيث أن من يستهلك أكثر يدفع أكثر، وهو ما يتوافق مع أسس تطبيق العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء المالية بين الأفراد، وهو واجب يمكن أن يجد مبرراته من منطلقات (عقائدية) على الحكومات الدينية الالتزام بها وتطبيقها كما تزعم هي.
من دون أن تنوع الحكومة رؤاها وتطرق أكثر من باب لحل معضلة الكهرباء، فاننا نتوقع استمرار العرض بالركض وراء الطلب لكن من دون طائل في أن يمسك به.
ركض العرض !
نشر في: 24 مارس, 2013: 09:01 م
يحدث الآن
الأكثر قراءة
الرأي

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟
محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....









