يوسف أبو الفوزالتساؤل بهذا الشكل الصارخ ، ليس اعتباطا يأتي من بعد متابعة للاحتفالات بمرور ربع قرن على جريمة حلبجة ، التي لم تكن إلا نتيجة للسياسة الديكتاتورية ، لفكر شوفيني اعتقد أن بإمكانه باعتماد سياسة الإبادة الجماعية إيقاف شعب وإسكاته عن المطالب
يوسف أبو الفوز
التساؤل بهذا الشكل الصارخ ، ليس اعتباطا يأتي من بعد متابعة للاحتفالات بمرور ربع قرن على جريمة حلبجة ، التي لم تكن إلا نتيجة للسياسة الديكتاتورية ، لفكر شوفيني اعتقد أن بإمكانه باعتماد سياسة الإبادة الجماعية إيقاف شعب وإسكاته عن المطالبة بحقوقه المشروعة .
حضرت مؤخرا في فنلندا حفلا نوعيا تميز بالحضور الكثيف ، ساهم في تنظيمه والدعوة إليه اثنان وعشرون من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية العراقية والكردستانية بالتنسيق مع ثلاث منظمات فنلندية ، وعلى حد تعبير أحد الإخوة المنظمين أن عظمة المناسبة أجبرت الجميع على توحيد جهودهم لاستذكار الماسأة ، يأتي هذا التعليق من واقع أن السنوات التي مرت كانت تشهد تشتتا مثيرا للحزن للجهود ،حيث يعقد عادة أكثر من حفل لذات المناسبة ، الأمر الذي حدا بأحد الأصدقاء التوقف عن المساهمة في أي من هذه الاحتفالات ، لأنه يتلقى الدعوات من كل الجهات وحين يتوجه لحفل ما فإن الجهة الثانية تقاطعه بمختلف السبل . في الحفل النوعي الأخير أثار ارتياحي ، وهذا ما أشرت إليه في كلمتي المرتجلة حين دعوني للمسرح والمساهمة ككاتب عراقي ، هو أن الكثير من الكلمات تميزت بالوضوح في تحميل نظام صدام حسين الديكتاتوري المسؤولية عن الاحداث ، وباتت تخبو بعض الأصوات التي كانت سابقا تحاول تحميل كل العراقيين مسؤولية الحدث والجريمة .
في كلمتي أشرت أيضا بوضوح إلى أمنية أن لا نحول حلبجة إلى كربلاء ثانية ! فخلال الحفل توقف احد الإخوة المتحدثين عن الكلام وهو يغص بالبكاء ، وناوله البعض مناديل لتكفيف دموعه ، وبعد لحظات صعد أحد شهود الجريمة وكانت طفلة يوم الحدث لتتحدث عن فقدانها ثمانية من أفراد عائلتها ولتتوقف عن الكلام وهي تغص في البكاء فتترك المسرح دون إكمال شهادتها وشاركها بعض من في القاعة البكاء ، وكانت شاشة سينمائية تعرض على مدار ساعات الحفل الأربع صور كل الشهداء الضحايا وهي منثورة في شوارع المدينة القتيلة . كان الجو في القاعة مأساويا ومسح الكثيرين دون إرادتهم دموعهم ، وغادر البعض القاعة لأنه لم يحتمل . وفي أحاديث عبر الهاتف مع أصدقاء في أماكن مختلفة وأنا أنقل لهم ما جرى ، قيل لي أن المشهد تكرر عندهم وإن بتفاصيل مختلفة ولكنه بذات المعنى في احتفالات مشابهة .
لا أحد يختلف هنا حول حجم مأساة مدينة حلبجة وحجم الخسارة البشرية ، وقد قدر لي كمقاتل في صفوف الأنصار الشيوعيين أن أسجل شهادتي يومها في كتاب "أطفال الأنفال" صدر عام 2004 في السليمانية عن وزارة الثقافة في إقليم كردستان ، لأعرض دموية وبشاعة النظام الديكتاتوري ، وسجلت الاحداث المأساوية مثلما شهدتها من زاوية ما تعرض له الأطفال الكرد ، وفي حلبجة الشهيدة فإن خمسة آلاف شهيد وسبعة آلاف جريح خلال ساعات ليس أمرا هينا ، لكن الأسئلة والأفكار المثارة هنا تستحق التوقف عندها .
ثمة من يقول إن القيادات الكردية ، في ظل الأزمة المتوترة ما بين مركز الدولة الاتحادية وإقليم كردستان بحاجة لتجميع الصفوف ولمها تحت راية القومية الكردية ، وليس أفضل من راية حلبجة الشهيدة مثلما يرفع الشيعة سياسيا راية الحسين الشهيد ! وثمة من يقول إن تصاعد نشاط الحركات الإسلامية الكردية والتوقعات بتحقيقها فوز انتخابي قادم في المستقبل القريب سيقرر تغيير في موازين السلطة في كردستان يجعل القيادات القومية الكردية بحاجة لرمز قومي يحرك المشاعر القومية لتجميع أهالي كردستان أمام صناديق الاقتراع .
بغض النظر عن هذا أجدني أتفاعل مع الرأي الذي يقول إن جريمة مدينة حلبجة ونتائجها المأسوية المستمرة تدعو الحكومة العراقية وجميع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات حكومة الإقليم والمنظمات الدولية إلى ضرورة النظر إلى المستقبل أولا ، حتى لا نحول مأساة حلبجة إلى مناسبة للبكاء واللطم وشتم الطاغية المجرم فقط ، فإن لمدينة حلبجة وأهلها مستقبلاً أفضل يستحقونه ويجب العمل لأجل ذلك بتفان وتوحيد كل الجهود لأجل تحقيقه . ويمكن هنا الحديث عن الواقع الصحي الحالي للمدينة واكتشاف تلوث التربة فيها ومسؤولية الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان والأحزاب في معالجة الأوضاع في المدينة . إن الأحاديث عن الفساد في الدولة العراقية، التي سمعتها من أهالي مدينة حلبجة التي أزورها باستمرار وألتقي ناسها وأهلها وبعض مثقفيها، تشمل فيما تشمل المساعدات التي استلمتها جهات حكومية ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب باسم مدينة حلبجة، والسؤال هو : أين ذهبت كل هذه المساعدات ؟ أهالي مدينة حلبجة يتحدثون عن أن الكثير من عوائل المدينة استلمت أراضي واستلموا رواتب تقاعدية، لكن المدينة ستورث للأجيال القادمة أشياء خطيرة لا تنفع معها الرواتب والأراضي، ففي الفترة الأخيرة أعلن عن زيارة وفد بريطاني متخصص بالأسلحة الكيمياوية لمدينة حلبجة، وقام بإجراء فحوصات لتربة المدينة التي تعرضت للقصف بخليط من الغازات السامة، كغاز الخردل وغاز الأعصاب (سارين) وغاز التابون وغاز (في أكس) تبين لهم بالفحص وجود لحد الآن بقايا من غاز الخردل القاتل في عدد من الملاجئ وأقبية المنازل وطالبوا أصحاب تلك الملاجئ بعدم لمس التربة . ولقد كشف مؤخرا مدير بلدية حلبجة ، عن تسجيل نسب عالية من الإصابة بالأمراض السرطانية نتيجة الإصابة بالأسلحة الكيمياوية ، وأن أهل حلبجة لا يزالون يعانون من تبعات القصف الكيماوي رغم مرور السنوات ، ولا يزال الكثير من أهالي المدينة والقرى القريبة يشعرون بأمراض في الأجهزة التنفسية وأمراض جلدية ومشاكل العقم وأنواع من أمراض الشلل ومشاكل في البصر وأمراض أخرى مزمنة .
إن تأمين مستقبل مدينة حلبجة ونظافة بيئتها والسلامة الصحية للأجيال القادمة هو المهمة الآنية التي يتطلب العمل لأجلها بتفان بدون هدر الوقت باللطم والبكاء ، وهو في حد ذاته رد على الديكتاتورية المجرمة عدوة الحياة .
هلسنكي 17 آذار 2013










