الدرس الثالث: تبادل الأدوار بين السنّة والشيعةما جري في العراق من احتراب طائفي بين عامي 2005 و2007 سببه الرئيس ، هو السلطة عليها اللعنة . فتاريخها في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت السلطة العربية والإسلامية إلى وراثية عام 6
الدرس الثالث: تبادل الأدوار بين السنّة والشيعة
ما جري في العراق من احتراب طائفي بين عامي 2005 و2007 سببه الرئيس ، هو السلطة عليها اللعنة . فتاريخها في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت السلطة العربية والإسلامية إلى وراثية عام 61 هجرية . فمن يومها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات وإجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع . وكانت ( السلطة العربية والإسلامية ) على مدى أكثر من ألف وثلاثمئة سنة لا تلجأ إلى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس أفضل من في القوم . ولهذا فإن العراقيين معبأون سيكولوجيا في لا شعورهم الجمعي بالعنف لا بالحوار في حلّ صراعاتهم السياسية . ولك أن تستشهد بما حصل عام 1958 من تمثيل وحشي بالعائلة المالكة ورموز النظام . وعام 1963 بتمثيل أبشع بشخص أول رئيس جمهورية للعراق ورموز نظامه ، وبآلاف الشيوعيين والوطنيين . وما حصل للبعثيين من حرقهم أحياء بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الكويت عام 1991 . فضلا على الإبادات الجماعية للشيعة وحرب الأنفال ومجزرة حلبجة وإبادة الآلاف من الكرد .. إلى المشهد اليومي اللاحق الذي لا تستوعب مفردات اللغة وصف بشاعته ولا عقلانيته.. وذلك الموروث اللعين الذي يمتد إلى داحس والغبراء ، مرورا بواقعة دهاء ابن العاص وغباء الأشعري التي " أنجبت " فرق الموت والتكفير..إلى نبش الأحداث المخجلة في تاريخنا المتخم بالعنف ، وكأن عقولنا مبرمجة فقط على استحضار الأحقاد من ماضينا .
والمسألة السيكولوجية الثانية ، أن السلطة في الدولة العراقية الحديثة ( من عام 1921 إلى عام 2003 ) كانت بيد السّنة العرب..وفجأة ومن دون تمهيد ديمقراطي أو سلاسة في انتقال السلطة ، حدث تبادل انقلابي للأدوار . فالشيعة الذين كانوا لألف وثلاثمائة سنة في المعارضة ،والذين حاربوا الانكليزي المحتل في ثورة العشرين ،والذين رفضوا دعوة الملك فيصل الأول للاشتراك في الوزارة لأمور فقهية! أصبحوا ( بعد 9/4/2003 ) في السلطة ،واعتبروا قوات الغزو ، التي حاربوها في البدء بضراوة في أم قصر والناصرية ،اعتبروها قوات صديقة وتحالف ساستهم معها ، فيما السّنة أزيحوا إلى جبهة المعارضة سواء ضد السلطة أو ضد المحتل الذي أعطاهم السلطة في بدء تشكيل الدولة العراقية الحديثة. وتبادل الأدوار هذا يشبه في فعله النفسي تبادل الأدوار بين السيد والعبد ، فأنّى لمن كان سيّدا أن يكون عبدا لمن كان عبدا بالأمس ، لاسيما في سيكولوجية العربي ، والعراقي تحديدا ؟!.ولك أن تلحظ ذلك في هتافات وشعارات أطلقت في تظاهرات الأنبار والموصل 2013.
وعلّة نفسية ثالثة ، هي أن الشيعة في العراق ( جماهيرها الشعبية تحديدا ) اعتقدوا أن مصدر ما أصابهم من ظلم وجور وعنف هو السلطة السنّية التي حكمت العراق أكثر من ألف وثلاثمئة سنة ، فعمموا هذا الموقف الانفعالي على كل السنّة ولم يقصروه على رموز الحكم ممن استخدم السلطة وسيلة للظلم والقسوة في التعامل وإذلال الآخرين،مع أن بين هذه الرموز من كانوا شيعة!. وحصل أن نشوة الانتصار ووسواس الخوف من ضياع ما يعدّونه الفرصة التاريخية الأخيرة لهم قد تمكنا من الجماهير الشيعية الشعبية، وعملا نفسيا على الاندفاع والانفعال والتطرف .ولقد عزز هذا وغذّاه زهو بعض قادتهم السياسيين والدينيين بحصولهم على ستة ملايين صوت في الانتخابات الأولى ( حوالي نصف العراقيين ) ناجمة في حقيقتها من موقف تعاطفي وردّ فعل انفعالي لما أصابهم من حيف ، أكثر منه موقف من برامج سياسية .
بالمقابل ، حصل للجماهير الشعبية من السنّة أن تمكن منها وسواس الخوف من أن الشيعة الذين استلموا السلطة سيفعلون بهم ما فعلت بهم السلطة السنية طوال حكمها للعراق . فضلا عن أن السّنة شعروا بالغبن السياسي والإقصاء والتهميش والإحباط الذي يصل ذروته في ظروف الأزمات فيؤدي إلى العدوان، وهذه حقيقة نفسية تحدث عند إعاقة جماعة عن تحقيق أهداف تراها مشروعة ولا تجد وسيلة أخرى لبلوغها غير العنف،كالذي حصل في الفلوجة في تظاهرة "جمعة لا تراجع" -24/1/2013 .
ومع أن صدام ارتكب الفظائع بحق الوطن " تدمير ثروة العراق الهائلة " وبحق الكرد والشيعة وحتى أقرب الناس إليه ، فإن مشهد إعدامه أساء لعدالة التنفيذ وافتقر إلى شجاعة وخلق المظلوم حين يتمكن من الظالم ، وأثار تعاطفا انفعاليا اختزل للرجل الكثير مما يحسب عليه ، وجعل مناسبة العيد( أعدم فجر أول أيام عيد الأضحى بحساب السعودية وسنّة العراق ) عيدين لطائفة وفاجعتين للطائفة الأخرى . والأخطر أن مشهد التشفّي وما فاح به من رائحة طائفية وإعلان صريح بأخذ ثأر..نقل الوساوس من خانة الأوهام ليضعها أمام أبواب الحقائق ،فزادت الواقعة في رمي الحطب وصب الزيت على نار كبرى مشتعلة أصلا ليمتد لهبها إلى مناطق أخرى من العراق والعالم العربي ، فكان ما كان مما حصل .
والدرس الذي ينبغي أن نتعلمه هو:
(إن المجتمع الذي فيه طائفتان كبيرتان تستحوذ إحداهما على السلطة
بمساعدة قوى خارجية، و تتعرض الأخرى إلى الإحباط السياسي والاقتصادي والنفسي فإن الحال بينهما يفضي إلى الاحتراب الطائفي) .
رئيس الجمعية النفسية العراقية










