تحليل سيكوبولتك الدرس الرابع :كارثة الانتخابات الديمقراطية كان آخر مرّة مارس فيها العراقيون عملية الانتخابات قبل التغيير ، تلك المتعلقة باستفتائهم على مبايعة صدام حسين رئيساً لجمهورية العراق . وفيها كان المواطن العراقي يذهب إلى المر
تحليل سيكوبولتك
الدرس الرابع :كارثة الانتخابات الديمقراطية
كان آخر مرّة مارس فيها العراقيون عملية الانتخابات قبل التغيير ، تلك المتعلقة باستفتائهم على مبايعة صدام حسين رئيساً لجمهورية العراق . وفيها كان المواطن العراقي يذهب إلى المركز الانتخابي فيستلم ورقة تحمل سؤالاً واحداً يتضمن اسم مرشح واحد لرئاسة الجمهورية هو صدام حسين ، وأمام السؤال بديلان: " نعم " و " لا " . وكانت نتيجة الاستفتاء أن العراقيين أجابوا بـ " نعم " بنسبة قدرها " 99% " .
وأذكر أن نائب رئيس مجلس قيادة الثورة " عزت الدوري " علّق على هذه النتيجة بقوله " إن الذي لم ينتخب صدام حسين إما معادٍ أو مجنون " موحياً" بأن النتيجة كان ينبغي أن تكون 100 % وأن الواحد بالمئة لا يشكلون من الخمسة عشر مليون ناخب عراقي سوى بضعة آلاف " معادين أو مجانين " وأن صدام حسين يحظى بحب العراقيين بنسبة لم ينلها رئيس جمهورية أو ملك في التاريخين الحديث والقديم .
والواقع إن تعليق " الدوري " كان صحيحا" ، ولكن من وجهة نظر أخرى . ذلك أن على صندوق الاستفتاء كان يقف شخص يستلم منك الورقة ليضعها هو بنفسه في الصندوق ،ولكن بعد أن يفتحها ، فإن وجدك قد وضعت إشارة " صح " في خانة " نعم " فأنت تغادر المركز الانتخابي إلى بيتك مصحوباً" بالسلامة . وعلى افتراض أن غيرك قد وضع الإشارة في خانة " لا " فإن طريقه يكون إلى السجن والتعذيب وربما القتل ويا ويل أهله مما سيصيبهم .
كان العراقيون الـ "99 % " الذين أجابوا " بنعم" يتوزعون بين من أراد دفع الشرّ عنه وعن عائلته ، وبين يائس يعرف أنه حتى لو أجاب بـ " لا " ومستعد لتحمّل تبعتها فإن صوته لا يغير من واقع الحال شيئا" ، وبين من كان يحب صدام فعلا" ومنهم من كتب " نعم " بدمه { حبا" أو نفاقا" } ولكن ليس بالطريقة التي صورتها في حينه أغنية لمطرب عراقي تقول { بايعناك مو بس بالورق والله .. إحنه قلوب بالصندوق خلينا } .
وكان آخر مرّة مارس فيها العراقيون الانتخابات بعد 9 أبريل/نيسان 2003 هي تلك التي جاءت بأول برلمان بعد التغيير .
وفي الواقع إنني لا أرى فرقا" جوهريا" في العملية العقلية بين الانتخابات التي ثبّتت صدام حسين رئيسا للجمهورية وبين الانتخابات التي جاءت بأعضاء ذلك البرلمان ، وإليك التحليل :
إننا نرى أنّ الانتخابات من هذا النوع يجب أن يتوافر لها شرطان هما : الحرية والمسؤولية . ونعني بالحرية أن يمارس الناخب حقه في الإدلاء بصوته من دون رقيب عليه أو شعور بالخوف أو توقع عقوبة معنوية أو ماديه . فيما تعني المسؤولية أن الناخب إذا اختار البديل " ع " من بين عشرة بدائل مثلا" فإنه مسؤول عن هذا الاختيار بأن " ع " هو الأفضل والأكفأ من التسعة الآخرين للمهمة التي سيكلف بها .
وما حصل في انتخابات صدام حسين هو أن شرط الحرية كان معدوما" ، بمعنى أن الناخب العراقي (أعني الأغلبية ) كان مجبرا" أن يضع علامة " صح " في خانة " نعم " في مبايعة صدام رئيسا" للجمهورية . وحين ينعدم شرط الحرية في الانتخابات ينتفي شرط المسؤولية بالتبعية .
أما ماحصل في انتخابات أول برلمان ديمقراطي فإن الناخب العراقي كان يتمتع بالحرية " الشرط الخارجي " ولكنه ما كان يتمتع بالمسؤولية " الشرط الذاتي " أعني الاختيار الصح..اختيار البديل الأفضل . ولهذا قلنا إن النوعين من الانتخابات ( انتخاب صدام حسين ، وانتخاب أول برلمان ) لا فرق بينهما في المحصلة النهائية من الناحية العقلية . ذلك أن الناخب العراقي في انتخابات صدام حسين كانت يده قد تلقت أمراً" من المركز الدماغي المتخصص بالخوف، فيما تلقت يده أمراً" من المركز الدماغي المتخصص بالانفعال في انتخابات برلمان 2005 . بمعنى، أنه في كلا الحالين لم تتلق يد الناخب أمرا" من المركز الدماغي الخاص " باتخاذ القرار " الذي يصدر عن إدراك ووعي ومفاضلة .
وقد تعزى الحالة الانفعالية التي تحكمت في الجماهير العراقية لدى ممارستها الانتخابات التي جاءت بأول برلمان ديمقراطي (لم ينتخبه الشعب لأن الذين اجتازوا العتبة الانتخابية 15 نائبا فقط !)..إلى أربعة أمور أساسية .
الأول : إن الشخصية العراقية انفعالية سيكولوجياً" بطبيعتها .
الثاني : إن استجابات العراقيين في الانتخابات كانت ردّ فعل على ظلم النظام السابق ومن يحسب عليه.
الثالث : إن ثقافة الضحية التي أشاعها السياسيون عملت على تعطيل أو تخدير العمليات العقلية الخاصة بعواقب الأمور .
والرابع : إن القيم الدينية تكون أقوى تأثيراً في الجماهير الشعبية، العربية الإسلامية، من القيم السياسية في الانتخابات الوطنية.
إن إدلاء الفرد بصوته بشكل حر حق كفله الدستور العراقي ، ولكن حريته في إعطاء صوته في الانتخابات التشريعية أو المحلية ينبغي أن تكون مصحوبة بــ " المسؤولية " ، لأن الانتخابات ( لاسيما مجلس النواب ) تقرر مستقبل الوطن وتحدد نوعية الحياة للناس بشكل عام .
والذي حصل في انتخابات دورتي (2005 ) و (2010) أن العراقيين ، بشكل عام ، لم يمارسوا " المسؤولية " الوطنية ولا حتى الشخصية في إعطاء أصواتهم التي منحوها لولاءات طائفية وقومية ودينية . ومارس كثيرون منهم نفس الزيف على الذات الذي مارسوه في النظام السابق ، وبنفس آلية " سيكولوجيا الحماية " .. ولكن بدلا" من أن يحمي نفسه من غضب السلطة عليه تحول إلى الحماية من خطر مكوّن اجتماعي . وإذا كان قد أعطى صوته مكرها" في الانتخابات التي أجراها النظام السابق فإنه أيضا" أعطى صوته مكرها" ، أو مضطرا" ، في النظام الجديد..ولا فرق بين الحالين ، لأن في كليهما لم يمارس " المسؤولية " في إعطاء صوته الانتخابي ..فضلا عن أن هذا النوع من الانتخابات أشاع رذيلة النفاق بنوعيه السياسي والاجتماعي.
والدرس الذي نستخلصه هو :
( إن الجماهير الشعبية التي تمارس
الانتخابات في أجواء انفعالية بعد
تحررها من نظام استبدادي
قد تجني على نفسها بكارثة جديدة
تكون أوجع وأشمل من كارثة
النظام الدكتاتوري الذي تخلصت منه).
أخيراً:
نكرر القول إن هذه الدراسة لم تستوعب تحليل كل ما نجم عن حرب (تحرير أو غزو )العراق..غير أنها تطرح "نظريات" أو فرضيات ،وتقدم مؤشرات تصلح لأن تكون مشروعا بحثيا تتبناه جامعة عراقية بالتعاون مع جامعة أمريكية معنية بهذا الشأن العلمي ، لاسيما وأن الأمريكيين صاروا الآن أكثر اختلافا في الرأي بخصوص تقويم ما حدث.فبحسب صحيفتي "لوس انجلوس تايمز" و "جلوبل بوست" فإنه بعد مرور عشرة أعوام على حرب (تحرير العراق)التي أودت بحياة 4500 جندي أمريكي وإنفاق نحو تريليون دولار أمريكي "يرى معظم المحللين والدبلوماسيين أن هذه الحرب لم تقدم شيئا لتعزيز وضع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط..وإنها خلقت فراغا في السلطة..ليس في بغداد فقط بل وفي المنطقة التي أغرقت العديد من دول الجوار في بيئة متوترة من التداعيات".ولأول مرّة يعترف الأمريكيون بغطرسة أمريكا في العراق..وهو ما كنّا قد نبهنا إليه بعد ثلاثة أشهر من احتلالها العراق بمقالة موثقة في صحف عراقية بعنوان:(نصيحة إلى حاكم العراق..السيد بريمر).
*رئيس الجمعية النفسية العراقية










