حكى لي قريبي كيف أنه تسلل من بيته سراً، ليحضر تظاهرة تم تنظيمها قبل مدة بمناسبة عيد الحب. استغربت من موقفه ذاك، فذهابه بتلك الطريقة يعني أنه يفعل أمرا خاطئا، وأنا لا أرى في حضوره التظاهرة أمرا معيبا أو مرفوضا، وحين جابهته برفضي موقفه ذاك ، كنت
حكى لي قريبي كيف أنه تسلل من بيته سراً، ليحضر تظاهرة تم تنظيمها قبل مدة بمناسبة عيد الحب. استغربت من موقفه ذاك، فذهابه بتلك الطريقة يعني أنه يفعل أمرا خاطئا، وأنا لا أرى في حضوره التظاهرة أمرا معيبا أو مرفوضا، وحين جابهته برفضي موقفه ذاك ، كنت كمن أثار في داخله أوجاعا كبيرة ، ليحكي لي سبب ما فعله. فقد كان رجلا مناضلا ويساريا من الطراز الأول قضى وطرا كبيرا من حياته متنقلا بين السجون والمعتقلات أو هاربا عند أقاربه في إحدى المحافظات النائية لحين تهدأ جولات البحث عنه. لكن شجاعته وإصراره على مواصلة النضال سرعان ما أصابهما الوهن أمام القسوة التي استخدمها الطاغية في تصفية خصومه، فقد قصّ ريشهم حتى لا ينمو مرة أخرى، ليجد نفسه في نهاية المطاف مجبرا على أن يسلك طريقا آخر لا دخل للسياسة فيه من قريب أو بعيد من أجل أن يؤمّن قوت أطفاله الصغار، الذين يدفعونه اليوم للتسلل كاللصوص لحضور تظاهرة أو منتدى ثقافي.
قد يكون قريبي هذا أفضل حالا من أحد الكتاب المعروفين، الذي قام أولاده بطرده من البيت في إحدى المرات لكونه ينظر إلى الأمور بطريقة لا تتناسب مع طبيعة تفكيرهم ، وكثيرا ما يدخل معهم في نقاشات حادة بسبب ذلك، فاضطر إلى التنقل بين بيوت الأصدقاء والمعارف خوفا من غضب أولاده الذين حذروه من أنهم قد يقدمون على قتله إذا سخر من توجهاتهم مرة أخرى.
أما المضحك المبكي في صراع الأجيال فيتمثل في انتخابات مجالس المحافظات التي ستجري في نيسان المقبل، فأحد الآباء دخل كمرشح في قائمة علمانية، فيما ترشح ابنه مع إحدى القوائم التابعة لأحد الأحزاب الدينية، وفي باب داره علقت صورة الاب والابن معا. قد يقول البعض إن هذا الوضع هو ثمرة من ثمار الديمقراطية الجديدة التي شهدتها البلاد بعد التغيير ، فيما يراها البعض الآخر إعلانا عن فشل الأب في التأثير على أبنائه.
هذه الحال لا تنطبق على جميع الآباء، فالبعض منهم يضطهدون أبناءهم، وواحد من أولئك الآباء المتنورين ممن انخرطوا في النضال السياسي الذي كان يمارسه قريبي ، هجر السياسة مرغماً بعد أن نال نصيبه من التعذيب في أقبية النظام السابق، لكنه أصيب بمرض نفسي مزمن ، ليدفع أفراد عائلته ثمن ما حدث له، فقد أحال حياتهم جحيما شبيها بذلك الذي رآه في المعتقل، وعلى إثر ذلك بدأ أفراد عائلته بالهرب من البيت واحدا بعد الآخر ليظل وحيدا فيه مع زوجته المريضة.
من البديهي أن يكون جيل الآباء متمسكاً بطرق تقليدية في التفكير والتعامل عكس الجيل الجديد الذي يكون ميّالاً إلى التغيير والتجدد، لكن الظروف غير الطبيعية التي شهدها البلد من حروب متتالية وحصار ولدت ظروفا شاذة نشأ عنها جيل متشدد تربى على قيم وأفكار متأثرة بالمد الديني الذي بدأ يزحف إلى العراق مع مطلع الثمانينات، على العكس من الآباء الذين نشأوا في أجواء صحية تزامنت مع النهضة الثقافية التي شهدها البلد منذ النصف الأول من القرن الماضي، وكانت المحصلة النهائية أنه قد نشأ بعد الجيل المنفتح من الآباء جيل متشدد من الأبناء شباب اليوم.
لست بصدد إجراء دراسة سايكولوجية لأولئك الآباء الذين يضطهدون أبناءهم أو يضطهدهم أبناؤهم، ولكن هي محاولة لتسليط الضوء على شريحة من المجتمع عاشت فترة الثقافة الذهبية وتشربت بمبادئها التقدمية، لكنها عجزت عن التأثير في أقرب الناس إليها.
وما بين الأب الذي يتسلل سراً إلى تظاهرة عيد الحب، والأب الذي هرب أولاده من جحيم مرضه النفسي، نقول " لا تكن ليناً فتعصر ولا تكن يابساً فتكسر".










