TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > الدستور العراقي... الاتفاقات والقراءات الخلافية

الدستور العراقي... الاتفاقات والقراءات الخلافية

نشر في: 29 مارس, 2013: 09:01 م

قد يبدو الواقع العراقي أكثر عرضة للإصابة بعاهة الإثارة دائما، وربما أكثر تقبلاً للإصابة بعدوى الأمراض القديمة التي غادرها العالم المتمدن منذ عقود، فالصراعات الطائفية تعكس تشوه ثقافات الجماعات وشيوع فكرة اللاتعايش السلمي بينها، مثلما تعكس أيضا تشوه ال

قد يبدو الواقع العراقي أكثر عرضة للإصابة بعاهة الإثارة دائما، وربما أكثر تقبلاً للإصابة بعدوى الأمراض القديمة التي غادرها العالم المتمدن منذ عقود، فالصراعات الطائفية تعكس تشوه ثقافات الجماعات وشيوع فكرة اللاتعايش السلمي بينها، مثلما تعكس أيضا تشوه البناء المديني، وهشاشة التأسيس الدولتي لمعطيات البنية السياسية العراقية، كما أن صراعات القوى  السياسية اللاعقلانية تعكس أيضا فشلاً ذريعاً في الانخراط ضمن مشروع  بناء الدولة، وفي التعاطي مع واقعية  وظائفها وسلطاتها.

صورة الدولة كمعطىً اجتماعي وسياسي وأمني واقتصادي هي الصورة الأكثر تعرضا لأثر الأزمة في هذا السياق، لأن تشوهاتها تعني فقدان القدرة على تنظيم حيوات الجماعات ضمن برامج أو مشاريع مشتركة داخل نسق الدولة، وكذلك  العجز عن  صناعة أي إطار حقيقي وفاعل لسيرورة الأمة العراقية، أي صناعة القوة الوجودية الجامعة للتنوع والتعدد ضمن مشروع تنظيمي يقوم أساسا على المعنى الحقوقي والسياسي للوجود المشترك.

لكن هذه الصورة المتخيلة للأمة ارتهنت بنوع من الرعب إلى قوى ما قبل الدولة، أي إلى قوة الجماعات، بوصفها القوة الإجرائية على الأرض، وهي القوة الطاردة لأي قوة مدنية أو مؤسساتية أخرى مفاهيمياً، إذ ظلت فكرة الدولة في الأدبيات السياسية خاضعة للتوصيف الثقافي دائما، لكن أن تفقد هذه الأدبيات تموضعها في العقل الثقافي وأن تتمثل إلى خطاب توفيقي، فإن الأمر يُخضع مفهوم الدولة المدنية إلى التهديد باستمرار، لأن هذه القوى ستكبر وتتضخم وستؤخر على كل المعطيات، بدءاً من الانتخابات ونتائجها، وكذلك على توزيع خارطة الفعاليات الأمنية والاقتصادية وحتى السياسية، مقابل ما ستتعرض له البنية المؤسساتية للدولة المدنية من مشكلات وتشوهات قد تجعل هذه البنية خاضعة لتمثلات الخطاب الذي تنتجه القوى الأولى، وطبعا فإن هذا التمثل سيرهن نفسه إلى الرهان القديم الذي أسهمت بصناعته تأثيرات القوى الخارجية التي احتلت العراق، والتي ظلت تصطنع لنفسها موجهات وصراعات تعيش الآن الكثير من تداعياتها، خاصة بعد أن تحولت هذه التداعيات إلى تهديدات داخلية وإقليمية ودولية، فهي لا تريد من جهة أن تتفكك مكونات العراق السياسي إلى دول افتراضية وإلى مناطق صراع ونفوذ ومصالح، خاصة وأنها ستكون محاصرة بدول قومية كبرى،مثل إيران وتركيا.

الدولة وسيرة الممكنات!

ظلت الدولة العراقية رهينة بسياسات القوة، بدءاً من قوة الاحتلال الانكليزي وانتهاء بقوة الحس القومي الاستيهامي، إذ ظلت هذه السياسات تصنع لنفسها مظاهر معلنة حينا وغائمة حينا آخر، فالاحتلال الانكليزي ترك إطاراً وهيكلاً للدولة، وترك معها قوى اجتماعية واقتصادية وعسكرية لها مصالح كبيرة بوجود الدولة، وهو ما دفعها لمواجهة أي خطر يهدد هذه المصالح، ومنها ضرب العشائر في الثلاثينات، وكذلك القيام بتصفيات داخلية كما حدث مع ياسين الهاشمي ومع بكر صدقي وغيرهما، فضلا عن إعدام بعض القيادات اليسارية ، مثل فهد ورفاقه الآخرين دونما تبرير مقنع سوى أنهم يهددون سر النظام!! وفي سياق الحس القومي برز أكثر الأخطار تهديدا للدولة، بدءا من تصفية الملك غازي، وأحداث انقلاب رشيد عالي الكيلاني وصولا إلى تداعيات خطيرة ظلت خبيئة تحت السطح وأكثرها خطورة كانت أحداث 1963 وأحداث 1968...

ممكنات الدولة ارتبطت من جانب آخر بسيرورة سياساتها، إذ  اصطنعت لها طول تاريخ الدولة العراقية عام 1921  وجودا وضع البعض توصيفا له بأنه نوع من التلفيق كما ورد ضمنا في رسالة الملك فيصل الأول عام 1932، وكما حاول بعض آخر وبطريقة برغماتية أن يضعوا توصيفا تبريريا له، يقوم على أساس  أن سياسة هذه الدولة ستظل محكومة بممارسة الممكن، لأن الدولة لها مصالح هنا أو هناك، وأنها ذات تركيبة مجتمعية معقدة، وأن أي  ممارسة في هذا الاتجاه يجب أن تنطلق من طبيعة المسؤولية التي تفترضها شروط استمرار هذه الدولة، لكنّ ثمة بعضاً آخر  لا يقتنع بهذا التوصيف، وينظر للسياسة على أنها ممارسة في القوة، وأن الممكن فيها يبيح لصاحبه أن يتجاوز على الآخرين بأية طريقة كانت لكي يحظى بالمزيد من الامتيازات وتحقيق المزيد من المصالح، وهو ما تجسد في ما بعد بالقوى القومية وتياراتها الأيديولوجية، فضلا عن شيوع النزعة العسكرية وصعود نجمها الذي عبر عن نفسه بالقيام بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، والذي عدّه التيار القومي المنافس تحدياً له، مما مهد الطريق للقيام بانقلاب شباط الدموي عام 1963 .

مفهوم الدولة تحت هذه المعطيات تحول إلى مفهوم صراعي، وبالتالي فإنه أفقد الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي أي نزعة لتكريس الصورة المدنية للدولة، وهو ما تجسد في غياب الكثير من المؤسسات المدنية بعد ثورة تموز، وفقدان الأخرى بعد الانقلابات الدموية الأخرى، وشيوع مركزة الدولة وخضوعها للسلطة الحزبية أو العسكرية..

هذا التقليد أسهم إلى حد كبير في إيجاد نوع من العلائق التي تضخمت، وفرضت مهيمناتها على فرضية الدولة نفسها، وبكل ما يقترن به هذا الفرض من  الترويج المضاد لفرضية القوة من خلال التهديد بتعويق أي نمو لفعاليات السياسة المدنية أو لنمو بعض مظاهرها الديمقراطية.

العراق اليوم والعراق التاريخي...

ما يجري في عراق اليوم السياسي فيه الكثير من بعض مظاهر العراق التاريخي، فبعض القوى المؤدلجة تجاهر علنا بتعويق مسارها الديمقراطي الدستوري، أو تهدد بتخليق أوضاع أمنية مرتبكة تعبر من خلاله عن فشل الدولة، فضلا عن المجاهرة بفرضية إعادة مفهوم السيطرة على مفاصل القوة والثروة، وبالتالي فإن مشروع  الدولة، ووفق هذه التلويحات سيكون مشروعا مهددا من قبل الآخرين دائما. البعض الثاني يسعى إلى أن يقطع الطريق على أي اتجاه للدفاع عن أي تصور آخر للحوار حول مشروع الدولة الديمقراطية والمدنية، من خلال الكشف عن أزمة المصدات والمعوقات التي تقف بوجه العملية السياسية، وحتى الكشف عن أية مرجعية داخلية أو إقليمية أو حتى دولية صناعة الأوهام التي تظلل الطريق إلى مشروع الدولة الحقيقي، والتي تتبنى أحيانا ما يشبه التهديد لبعض الفرقاء السياسيين، لأن المصالح ستكون هي الغالبة، وسياسة الخنادق ستكون أيضا ذات أثر على الواقع السياسي، وأن أدلجة المصالح بأطر محددة ومثيرة للجدل ستكون عناوين كبيرة تجذب لها العديد من العاطلين عن مشروع الدولة الحديث.

فرضية إعادة إنتاج عقلاني للسياسة والإدارة تعني التعبير عن صورتها المدنية من خلال التلازم مابين وعي الحاجة والتنظيم والتدبر، وأن التعاطي مع ضرورة الدولة الجامعة يعني أيضا وجود الأطر والآليات التي تقوم على الحوار والتفاعل والركون إلى الدستور بوصفه القوة المدنية الصيانية لمشروع الدولة، لأن الحديث الغريب عن توزيع أدوار هنا أو هناك- وهي كثيرا ما تختلط أوراقها-  يعني بالمقابل وجود رغبة دفينة لـ(تمييع) مدنية الدولة، وإعطاء أدوار غير عقلانية لقوى ما قبل الدولة، فضلا عن أكل الكثير من جروف الدستور وتعويم العديد من أحكامه التي ينبغي أن تكون مرجعا للجميع ولكل القضايا الخلافية. وهذا ما يفترض التعبير عنه بالشرعنة اللادستورية لمواقف قد تتكرر في واقع سياسي صراعي ومضطرب ومهدد على الدوام، وهو سيكون سببا في  تعويق عمل أي حكومة مستقبلية، لأن هذا الطرف لا تعجبه سياسة الطرف الثاني، وأنه سيقوم بحشد العديد من القوى لرفض هذه السياسة، والإعلان عن اتفاقات جديدة وهلمّ جرّا!

إن العمل الواضح في صناعة الدولة يكمن في الاستفادة من دروس الماضي، والعمل بجد ومسؤولية على مواجهة تحديات الواقع، مقابل العمل بمهنية على تغليب أحكام الدستور، لأنه الشرعنة والأساس الذي ينبغي أن يكون واضحا للجميع، وأن تسعى القوى السياسية لتعزيزه كقيمة أخلاقية ووطنية، فضلا عن التنسيق مع  جميع منظمات المجتمع المدني لتأصيل القيمة الثقافية والتعريفية لهذا الدستور، والدعوة لأن يدرك الجمهور العمومي قيمته وأهليته في أن يكون الحاضن والحافظ والراعي لحقوق الناس بعيداً عن التوصيفات الطارئة التي يطرحها السياسيون في اتفاقياته التي لا تنتهي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram