TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > بمناسبة اليوم العالمي للتوحد في 2 نيسان .. طفل ووطن

بمناسبة اليوم العالمي للتوحد في 2 نيسان .. طفل ووطن

نشر في: 1 إبريل, 2013: 09:01 م

  المعاناة لها وجه جميل أيضاً، فهي تمنح الانسان شرف تأمل إنسانيته، حتى اذا نفذ من تلك المعاناة تلمس شرفات روحه وربما عثر على اول الطريق المفضي الى ذاته...ولد ابني (أسيد ) في شباط 2001 ، وبدا في منتهى الصحة والجمال . كان يردد مقطعا مكونا من حرفي

 

المعاناة لها وجه جميل أيضاً، فهي تمنح الانسان شرف تأمل إنسانيته، حتى اذا نفذ من تلك المعاناة تلمس شرفات روحه وربما عثر على اول الطريق المفضي الى ذاته...
ولد ابني (أسيد ) في شباط 2001 ، وبدا في منتهى الصحة والجمال . كان يردد مقطعا مكونا من حرفين على عمر الستة اشهر وهو يقول : با ..... با ... لكن هذا المقطع سرعان ما اختفى وتوقف أسيد عن النطق ولو بحرف ... ثم بدا ونحن نحتفل بعامه الاول غير مكترث بالمحيط الخارجي ، لا يقيم تواصلا بصريا مع محدثيه ، ويرفرف بكلتا يديه بحركة نمطية تائهة المعنى ...

كنت حينها وحيدة في شقة باحدى جبال اليمن ، أحاضر بجامعة تعز ، ووالد أسيد الطبيب ، لاجئاً لاسباب سياسية في ألمانيا وقد اضطر لمغادرتنا عندما كان عمر ولدنا ستة اشهر، ففكرت ان وضع ابني قد يكون طارئا لأسباب تتعلق بعزلتنا ، ثم تسرب الشك الى قلبي بانه قد يكون مصابا باضطراب (التوحد) ...
لم أمنح نفسي وقتا للصدمة او الحزن ، وشرعت ابحث عن جواب لسؤال: ما العمل اذا ثبت ذلك ؟ ماذا لو كان اسيد مصابا حقا بالتوحد؟ فكان الجواب : التعليم والتمكين .... لا خيار لدي سوى تعليمه الى المستوى الذي تتحمله قابلياته، وتمكينه من التعاطي مع تفاصيل الحياة... وهكذا شرعت برسم خطة طريق ..
كانت الخارطة تقتضي ان اشرع فورا واحول رؤيتي الى اهداف صغيرة ومحددة بازمان متفاوتة طولا وقصرا لتنفيذها. كان الهدف الاول أن يتعرف الى بيئته الداخلية المحيطة حتى لو استغرق ذلك عاما كاملا ، لاستأنف بعد ذلك تعريفه بالعالم الخارجي .. كان اسيد اثناء ذلك صامتا و يزداد انسحابا كلما زارنا غريب أو سمع صوتا عاليا .... وكنت اردد مع نفسي : بغداد هي الحل دائما ، هكذا كنت اظن ....
اتيحت لنا العودة الى بغداد في العام 2004 .... (أسيد ) في بغداد وقد بلغ الثالثة ، كان موعد الهدف الثاني قد حان ، ان يتعرف الى العالم الخارجي ... وها هو يتعرف ايضا الى والده بعد عودته من منفاه ...في بغداد بدأت معاناة اكبر من ان تختصر ، كان اولها محاولة العثور على متخصص بالتوحد ، ومحاولة العثور على عمل ، وسكن ، وغيرها.
وبعد جهد كبير عثرنا على معهد وحيد في العراق – معهد الرامي – تديره السيدة الفاضلة الشابة نبراس التميمي. كانت نبراس رائدة في مجالها ، تتلمس طريقها ببطء ولكن بخطى ثابتة وبمواظبة منقطعة النظير ، مرة تدرب الاطفال بنفسها وثانية تدرب المعلمات، وثالثة تسافر للتدرب على التشخيص ورسم برامج الاطفال وهكذا .. صار اسيد منتظما في فعالياته البايولوجية ومسيطرا عليها وصار يتواصل بصريا لعدة ثوان لكنه واصل صمته .. في الآن نفسه كان الوقت يمضي سريعا بالنسبة لابني ولم اكن استطيع الانتظار ريثما يستوفي المعهد كامل معارفه ويدرب الموارد البشرية الكافية مع الاعداد المتزايدة للطلاب ، فواصلنا انا ووالده هذه المرة مرحلة جديدة من الخطة اعتمدنا فيها على التواصل عبر النت مع الادبيات التي تتعامل مع التوحد وكذلك تواصلنا مع المعاهد العالمية للتوحد ...فكان الاب يرسم لي الخطط واقوم بتنفيذها ... العام 2006 بغداد مرتبكة وأسيد يحاكيها ... بغداد مزدحمة ، الجماعات تتعاقب ، تحمل دستورا مرة وتختلف على تقاسم نتائج الانتخابات اخرى ، وترتبك في ترتيب اولياتها ثالثة ، تخطأ وتصيب، تخطأ وتصيب ، ثم ترتبك وترتبك و ترتبك ..... واسيد يحاكيها، يصرخ في البيت لساعات طويلة يصرخ يصرخ فاتعب وانهار من ضغط الصراخ ووجعي على مصير ابني ... الحلول لا تأتي، وبغداد بدأت الدخول في موجة اضطراب عنيف وصل حد الهستيريا حين باتت الشوارع مقابر تلقي ما بجوفها من جثث الى الخارج لشدة ما غصت بفتوة احلامها.. لم تعد هناك سيطرة على الاهداف ولا ازمنة تنفيذها مع ولدي ... لتأتي صدمة جديدة يصبح ( اسيد) على اثرها يتيما في نيسان ( 2007 ) حين خطفت والده مفخخة على جسر الجادرية ضمن سلسلة تفجيرات استهدفت تقطيع اوصال بغداد وجسورها وقطع ارحام اهلها ، فقطعت وصل اسيد مع ابيه وقد كان حينها لا يغفو الا على نبضات قلبه حين كان يضع رأسه الصغير على صدر ابيه حين ينام كل مساء .
في اثناء محاولتنا معا، انا وهو، عبور تلك الازمة كنت اقول ان المواظبة على التعليم هو ما يحتاجه، وصرنا نشكل انا والسيدة نبراس لجنة مشتركة لانقاد اسيد، أصمم بعض برامجه فتتقبلها برحابة وتطلب من المعلمة ان تستجيب وتوافيني بتقارير متابعة يومية واخرى اسبوعية وثالثة شهرية وهكذا. وكانوا يصممون برامجه ويطلبون مني متابعة تنفيذها واوافيهم بالتقارير،احيانا كنا نبيت في المعهد ايام العطل مع امهات المتوحدين وقد كانت بعضهن مهجرات مع عوائلهن واخريات وحيدات مع اولادهن بعد ان هاجر الآباء. وكنا جميعا نشجع بعضنا ونتبادل الخبرات. غالبا كنا نعاني انقطاع الكهرباء والاوقات المحددة للمولدة، فكنا نتبادل الخبرات وندرب اولادنا على السباحة ونطفئ حر تموز في مسبح المعهد الى ساعة متأخرة من الليل ...
حاولت النفاذ الى اسيد من الاماكن التي يحبها. وكنت محظوظة حين تعلق بجهاز اللابتوب، فكان المنفذ الأهم عبره تعلم النطق فسمعت صوته الجميل الذي طالما كانت اتساءل عن نوع نغمته.. سمعته ملء القلب وهو ينادي ماما. ثم تعلم القراءة، وظلت الكتابة هي العقدة الاكبر، وقد تأخر الحل واسيد تجاوز عامه السابع الى ان تمكنت السيدة نبراس من استحصال موافقة وزارة التربية على فتح المدرسة الابتدائية الاهلية الاولى لذوي الاحتياجات الخاصة في تاريخ العراق التي تمنح شهادة معترفا بها رسميا، وتشرفت بأن كنت من اعضائها المؤسسين مع اخرين من امهات واباء الاطفال التوحديين العاملين في المجال التربوي. ومع المدرسة جاءت الباحثة السيدة انمار لتختبر فرضيتها في دراستها للدكتوراه حول دور التعزيز العاطفي في تعليم الكتابة للاطفال التوحديين، وكان اسيد احد المتطوعين لاختبار الفرضية وقد ابلى وابلت معلمته احسن البلاء وانتهت التجربة واسيد يكتب بخط جميل.. في العام الدراسي 2010 – 2011 نجح اسيد الى الصف الثاني بتفوق في مدرسته الخاصة (مدرسة الرحمن)، وبعد عام اخر برز هدف دمجه في مدرسة للاطفال الاصحاء ونجحنا في اقناع مديرة مدرسة قتيبة بن مسلم الابتدائية الحكومية بقبوله طالبا، ورحبت به حين اختبرت معارفه فالتحق بالصف الثالث الابتدائي في العام الدراسي 2011- 2012، وتعاون معه فريق كامل من المعلمين والمعلمات بتعاطفهم وحرصهم.
اسيد الان في الصف الرابع يحصل على درجة عالية في اغلب المواد ولديه اهتمام خاص بالجغرافيا ورسم الخرائط لكن مادة الرياضيات تشكل العقبة الكبيرة عنده، وسيكون تجاوز هذه المشكلة  محور تركيزنا وهدفنا المحدد في المرحلة القادمة..
ولكن مهما كانت النتيجة وفي الحالين سواء تجاوزنا ازمة الرياضيات او اخفقنا فان الخطة المقبلة ستكون المواظبة والمواظبة والمواظبة بلا انقطاع في تعليمه وتمكينه حتى يصل الى المرحلة الاكاديمية التي تسمح بها امكانيته او يتدرب على المهنة التي تتلاءم ورغباته ... وسيبقى الحب والحب والحب هو ما أتبادله مع اسيد طوال المسيرة.
اتأمل مسيرتي مع ابني في ساحة كفاحنا مع التعامل مع اضطراب التوحد، واتخيلني واياه عدائين في سباق ماراثون المسافات الطويلة في الحياة. وانتبهت الى انه - ونحن نواصل العدو - كان هناك على جانبي الطريق من يقدم الدعم لنا دائما ، نساء ورجال وشباب وحتى اطفال مررنا بهم ومروا بنا. ولكن الغلبة كانت لحضور النساء طوال الطريق ... نساء معطاءات لديهن شعور بالالتزام ازاء حاجة الاخر ولديهن قبول ومحبة الاخر قبل ذلك ... سيدات قدمن الدعم المعنوي والمادي في مسيرتينا انا واسيد ، طوال طريقنا الماراثوني. النساء بمختلف فئاتهن العمرية وبمختلف أوضاعهن الاجتماعية وبمختلف الوظائف التي يؤدينها هن من وقف مع أسيد طوال الطريق ... يخففن اضطرابه ويقمن بوضع العلامات الدالة على المنافذ الآمنة في خارطة الطريق الصعب والمجهول.
جداته،عماته، زوجة أخي سميرة التي عوضت غياب أخواتي الاضطراري، معلماته أنعام وشيماء، هناء أدور التي هيأت لي فرصة دمجه مع فعاليتنا المدنية واقترحت ان اعلمه جغرافيا العراق اثناء سفرنا لأغراض تتعلق بتلك الفعاليات. شروق العبايجي التي تعلمت منها ان امنحه كل الثقة والحرية واحترم خياراته واختلافه واصرت ان اعامله بشكل طبيعي كما تعاملت هي مع ولدها الطبيعي. اوراس وهايدا ابنتا الشهيدة امال المعملجي اللتان لعبتا دور الام معي واعتنيتا بي في اصعب الايام والأزمات، بسمة الخطيب والهام الجزائري اللتان واظبتا على شحذي بالهمة كلما أصابني الاعياء وكأنهما ترغبان باستكمال مسيرتيهما الموجعة مع ولديهما بعد ان غدرهما الموت بعد صراع طويل مع المرض ترغبان باستكمالها مع اسيد.. قائمة الاسماء تطول ولن تكون الاخيرة لقاء موسى وهي تشاركنا الدعم وهي تحنو على اسيد وتتيح له اجمل الفرص في دمجه مع بنتيها وابنها في حياة اجتماعية طبيعية تبعث النشاط والفرح والامان في حياته.. النساء، في سباق الحياة الماراثوني بمختلف اعمارهن وأدوارهن ووظائفهن وتوجهاتهن، هن من قبلن بابني وأحطنه بالحب وقدمن الدعم له وخففن اضطرابه... افكر: ماذا لو اتيحت الفرصة للنساء للعناية بالعراق ليكنّ صمام الامان، فالبلدان اولاد مضطربون، ونحن امهاتهم .

 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 7

  1. زينب القشطيني

    دكتورة ندى قرات قصتك ومشواركي مع ابنك.مشوار عظيم ومعطاء تخلله الكثير من الالم والخيبات والفقدان وكنتي رغم ذلك انسانه قويه معطاءه واكملتي مابداتموه انتما الاثنان تحيه من كل قلبي ابكتني كلماتك واحييك على شجاعتك واصرارك الكبير تجاه تعليم ابنك

  2. شروق العبايجي

    لطالما امنت بان نهلة النداوي تستحق لقب الام المثالية لقوتها ومثابرتها في منح اسيد كل ما يحتاجه طفل متوحد في مجتمع اكثر توحدا

  3. د. محمد عبدالرضا شياع

    رحم الله أبا أسيد، وعظّم الله لكِ الأجر سيدتي الدكتورة نهلة النداوي... أحييك وأحيي عظمة الإنسان التي تحملينها ضوءاً لمحجّات الوجود... المَهمة ليست يسيرة، وطريق النجاح صعب وقاس اجتيازه، ولكن إصرار الإنسان صاحب الإرادة الواعية هو أولى عتبات النجاح في مواجهة

  4. زبيدة التميمي

    دكتورة نهلة النداوي او المرأة الحديدية كما يطلق عليها انتي من صنعتي قصة النجاح وتجاوزتي العقبات حقيقة انت المراة التي ممكن انت تصنعي المستحيل

  5. سولاف مصطفى

    العزيزة دكتورة نهلة الغالية, هذا الصباح وانا اتصفح صفحتي على الفيسبوك وإذا بى ارى صورة لك مع الدكتورة بشرى العبيدي. لأول وهلة استوقفتني الابتسامة العذبة وفي الحال ادركت انني اعرف صاحبة هذه الابتسامة, إنها انت يا عزيزتي وكيف انسى هذا الوجه العراقي الجميل و

  6. زهراء الخفاجي

    دكتورة نهله المنداوي قدوة للأم والمرأة الناجحة

  7. زهراء

    دكتورتنا الجميله. ما أجمل هذه المشاعر التي خطها لنا قلمك الرائع لقد كتبتي اجمل الكلمات التي تحمل معاني كثيره دكتوره قمه في الاخلاص والصبر والذكاء اتمنى ل (اسيد) دوام الصحه والعافية وان يرحم والده المتوفى. مع شكري وامتناني لكِ.

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram