TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > إعادة بناء العراق على أسس أكثر أمناً

إعادة بناء العراق على أسس أكثر أمناً

نشر في: 3 إبريل, 2013: 09:01 م

سمعت قبل  بضعة أسابيع  بمأساة  الصبي عباس عبد الأمير ابن الاثني عشر ربيعا الذي تشوه وبُترت بعض أعضائه على نحو مأساوي عقب انفجار ذخائر عنقودية .وهالني ما تعرض له. وكان عباس، وكصباح كل يوم عادي، قد أخذ قطيع العائلة للرعي في 15 آذار/مارس

سمعت قبل  بضعة أسابيع  بمأساة  الصبي عباس عبد الأمير ابن الاثني عشر ربيعا الذي تشوه وبُترت بعض أعضائه على نحو مأساوي عقب انفجار ذخائر عنقودية .وهالني ما تعرض له. وكان عباس، وكصباح كل يوم عادي، قد أخذ قطيع العائلة للرعي في 15 آذار/مارس 2013، في منطقة جنوب قضاء الرميلة بالقرب من البصرة. وبينما كان يتجول بين الأشجار القصيرة، عثر على جسم معدني والتقطه من قبيل الفضول، وقد كان هذا الجسم عبارة عن قنبلة عنقودية انفجرت على الفور ليفقد على إثرها يديه وإحدى عينيه.
 للأسف لا تعد قصة عباس فريدة في نوعها، إذ جعلت سنوات من الحروب والنزاع العراق من بين البلدان الأكثر تلوثاً بالألغام في العالم، إذ تنتشر الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة في البلاد على مساحة تبلغ 1730 كيلومتراً مربعاً ويتضرر منها زهاء 1.6 مليون شخص – أي واحداً من بين كل 20 عراقياً.
وتبقى الألغام الأرضية إرثاً رهيباً من مخلفات الحقبة المنصرمة عندما حالت الحروب والعنف دون تقدم البلاد والدفع بعجلة مسيرها للأمام، إذ ضربت الرجال والنساء والأطفال من دون تمييز وهم يمارسون نشاطاتهم اليومية الاعتيادية؛ لتبقى الألغام فيها علامة تميزها للأبد.
ويسعى العراق في يومنا هذا إلى قلب صفحة ذاك الإرث، لكن أنّى له السير قُدُماً في الوقت الذي تتأثر فيه الملايين بمخلفات الحروب تلك؟
لقد آن الأوان لجعل التخلص من الألغام في طليعة الأولويات والعمل على جعل العراق بلداً خالياً من الآثار المترتبة على مخلفات الحروب غير المنفجرة فضلاً عن الألغام الأرضية.
وثمة العديد من الإجراءات التي تم اتخاذها أصلاً، وأود أن أشيد بالتزام حكومة العراق بالمقاييس العالمية للإجراءات المتعلقة بالألغام، فمن خلال توقيعها اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد عام 2008، فقد وافق العراق على عدم استخدام أو إنتاج أو حيازة الألغام المضادة للأفراد مطلقاً، بيد أن ثمة الكثير الذي يمكن القيام به.
عراق خالٍ من الألغام الأرضية
 خلال خمس سنوات
التزم العراق أيضا بتطهير أراضيه من جميع الألغام المعروفة بحلول عام 2018. خمس سنوات هي مدة طويلة ولكن الوقت يمر ويجب بدء العمل الآن من أجل إنقاذ الأرواح وضمان تمكّن جميع العراقيين من أمثال عباس وأسرته من العيش في بيئة آمنة وخالية من المتفجرات من مخلفات الحرب والألغام الأرضية. وهناك بعض التدابير التي يمكن البدء بتنفيذها منذ اليوم، مثل التطبيق الفوري للمعايير الوطنية العراقية المتعلقة بإزالة الألغام من قبل الهيئات الحكومية المسؤولة عن إزالة الألغام لتجنب قتل أو جرح المزيد من الأشخاص خلال عمليات إزالة الألغام.
تحتاج الإجراءات الأخرى، مثل تحسين القدرات المؤسسية، إلى وقت أطول، ولكن يستطيع العراقيون الاعتماد على مساعدة الأمم المتحدة وخبرات فريقها الوطني في بناء القدرات في مجال الأعمال المتعلقة بالألغام.
والأهم من هذا كله أن تحقيق هدف "لا ألغام بعد عام 2018" سوف يحتاج إلى تمويل إضافي لأنشطة إزالة الألغام في مختلف أنحاء العراق. حالياً، يتم تمويل أعمال إزالة الألغام الإنسانية من خلال الإسهامات الدولية فقط؛ وأدعو الحكومة العراقية اليوم إلى إبداء التزام قوي والبدء بتمويل أعمال مكافحة الألغام الأرضية.
فالاستثمار في إزالة الألغام ليس من شأنه أن يحسّن الظروف المعيشية للملايين من العراقيين فحسب، بل من شأنه أيضا أن يسهم في تحسين الصحة والبيئة والاقتصاد لآلاف المجتمعات المحلية. وعلى رغم عشوائية انفجارات الألغام، فإنها كثيرا ما تؤثر في أفقر الفقراء. لذا فمن خلال إزالة الألغام من المناطق الريفية، فإن العراق يعطي فرصة للأسر الضعيفة لتحسين ظروفها المعيشية، ومن خلال إزالة الألغام من حقول النفط والغاز، ستتاح فرص جديدة لاستغلالها، وبالتالي تعزيز اقتصاد البلد كله.
ولكي لا ننسى أبدا الأصدقاء والأسر الذين تأثرت حياتهم بنحو مأساوي بسبب الألغام الأرضية، يأتي اليوم الدولي للتوعية بالألغام والمساعدة في الأعمال المتعلقة بالألغام في 4 نيسان/أبريل من كل عام ليذكرنا بضرورة الالتزام والعمل من أجل القضاء على الألغام الأرضية.
دعونا لا ننسَ عباساً وآلاف الآخرين غيره ممن دفعوا ثمن حرب مضى عليها زمن طويل. وإلى حين تحقيق الهدف المتمثل بجعل العراق بلداً خالياً من الألغام الأرضية بحلول عام 2018، دعونا نجعل اليوم العالمي لمكافحة الألغام حدثاً يومياً.

 * الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: ‎من قتل ينار محمد ؟

 علي حسين بغض النظر عن شكل النهاية التي سيضعها القائمون على المسلسل الدرامي الطويل والمثير المسمى "لجنة التحقيقات " سواء فيما يتعلق بقضايا الاغتيال السابقة أو في لجنة التحقيق التي تشكلت لمعرفة قاتل...
علي حسين

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

د.كاظم المقدادي (1 - 2) أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية...
د. كاظم المقدادي

القانون الدولي: خرافة أم حقيقة؟

ألكسندر راؤول ترجمة : عدوية الهلالي كثيراً ما يُستعان بالقانون الدولي كضمانة، كمجموعة من القواعد التي تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول والحد من استخدام القوة. هذه الرؤية مطمئنة، إذ تُصوّر عالماً تحكمه معايير...
ألكسندر راؤول

تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران: العراق على حافة النار

عصام الياسري لم تعد الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة و**إسرائيل** ضد أهداف داخل إيران مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق صراع طويل، بل تحوّلت إلى حدث مفصلي يهدد بإعادة تشكيل معادلات الردع في...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram